إنك الرقيب الأول وربما الوحيد على أكلك، وأكل أولادك.
ليس كل ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعى شراً أو غرضاً، خاصة ما يتعلق منه بسلامة الغذاء وأمنه ونظافته بعيداً عن محاولات الاتجار والتكسب الذى لا يخلو الأمر منه لدى البعض.
لا شك أن مسألة الوعى بسلامة الغذاء مع ظاهرة الاعتماد على الطعام خارج المنزل التى انتشرت بشكل كبير خلال العقود الخمسة الأخيرة، مع خروج المرأة إلى العمل وعدم توفر الوقت الكافى للكثيرات منهن لإعداد الطعام لأسرهن وأولادهن كما كانت تفعل أمهاتنا فى الماضى، وكذلك قضاء أرباب الأسر للبقاء طوال اليوم للعمل ربما فى أكثر من وظيفة للوفاء باحتياجاتهم المادية، وأيضا طوفان إعلانات الوجبات السريعة الجاهزة وحث الناس على اشتهاء تلك الوجبات الخديعة التى تتوه فيها البكتيريا الضارة والدهون الخطيرة مع التوابل والمقبلات التى لا تترك فرصة لطعام البيت التقليدى للمنافسة فى هذه السوق الغذائية المفتوحة.
تشير الإحصائيات إلى أن فى مصر 400 ألف منشأة غذائية مسجلة منها 85 ٪ منشأة صغيرة، يفترض أن يراعى أصحابها ضمائرهم فى الالتزام بالشروط الواجبة لسلامة الغذاء قبل أن يخضعوا للرقابة الحكومية، لأنه فى مقارنة بين عدد الحملات التى تقوم بها الهيئة القومية لسلامة الغذاء ووزارتا الصحة والتموين والمحليات فى ظل الإمكانات الضعيفة لبعضها، وجد أن نصيب كل منشأة من هذه الحملات التفتيشية زيارة واحدة لها كل 32 عاماً، وأن التسمم الغذائى الذى سجلته مستشفيات الحميات فى النصف الأول من العام الحالى بلغ 18 ألفاً و600 حالة بزيادة 23 ٪ عن نفس الفترة من العام الماضى، منها 60 ٪ بسبب وجبات شعبية.
>>>
ما دفعنى للكتابة فى هذا الأمر، حديث طبيب متخصص عن سلامة الغذاء بأحد المواقع الصحفية، كشف فيه الوضع السييء لسلامة الغذاء فى بعض محال الفول والطعمية التى تقوم بتجهيز عجينة الطعمية من خلال ثلاث نوبات واحدة منها ليلاً قبل إغلاق المحل، حيث يقوم العاملون بوضع الفول المدشوش ومعه الخضرة من بقدونس وكرات وبصل وأيضا الخبز الناشف «الرجوع» فى حلة الطحين ويُترك حتى قبل الصباح عند فتح المحل مرة أخرى ويتم تشغيل ماكينة الفرم التى لا تفرق بين مكونات الطعمية والحشرات وأبرزها الصراصير وبراز الفئران التى تتسلل ليلاً إلى حلة العجين، ولتدور الماكينة بكل ما تحمله من مكونات وحشرات وفضلات وليأخذها عامل وردية الصباح عجينة جاهزة للطهى ملوثة بالبكتيريا الضارة.
الأخطر فى هذه الوجبات المحببة للناس، أن الزيت الذى تغلى فيه ومع كل مرة يعاد استخدامه ترتفع فيه نسبة مركبات الأكريلامين المسرطنة بنسبة 15 ٪، وبعض هذه المطاعم تغير الزيت كل ثلاثة أيام فى «الحلة» المثبتة برخام لا يسمح بغسيلها، والزيت يضاف عند نقصانه، مما يعرض الزيت القديم والجديد معاً للاحتراق والسواد الذى قد لا يلاحظه الكثيرون الذين يتراصون فى طوابير أمام البائع يلتقطون فى أكياس ورقية هذه السموم، التى للأسف يدفع الناس ثمنها من صحتهم وتدفع الدولة المليارات فى موازنة الصحة لعلاجهم فى المستشفيات.
>>>
عفواً، لم أقصد أن أنغص على الناس حياتهم كما فعل طبيب الطيبات الراحل- رحمه الله- ولكنها دعوة للمشاركة فى عملية سلامة الغذاء التى لا يجب أن تترك مسئوليتها للحكومة وأجهزتها الرقابية وحدها.. ولكن الأمر يتطلب مساهمة فى هذه الرقابة على المحال من الجمعيات الأهلية العاملة فى مجال حماية المستهلك وأيضا الأحزاب الكثيرة التى لا نعرف شيئاً عنها إلا وقت الانتخابات، وكذلك الأجهزة الشعبية المحلية التى نأمل بسرعة إعادتها إلى الوجود بعد الانتهاء من قانون المحليات الجديد.
أما أنت أيها المواطن الذى يعتمد على الطعام خارج المنزل، فإنك الرقيب الأول وربما الوحيد على أكلك، وأكل أولادك.









