قيادة الأطفال للسيارات .. أمر كارثى
الأب هو الوحيد فى هذه الدنيا الذى يريد لشخص آخر أن يكون أفضل منه وأكثر سعادة وراحة ورفاهية، وهو ابنه أو ابنته، لذلك يتفانى فى تحقيق مطالبه وتحقيق أمنياته ولا يجعله محروما خاصة من الأشياء التى حرم منها هو فى طفولته وشبابه، وهذا جيد لا شيء فيه بل يحمد لكل أب يفعل هذا، إنما أحيانا يخرج الأمر عن السيطرة ويصبح نوعا من التدليل الزائد الذى يؤدى إلى إفساد الأطفال- سواء أدرك الأباء ذلك أم لا- وهنا تكون النتائج كارثية على الجميع بكل المقاييس ويحدث ما لا يحمد عقباه، بما يصل إلى ضياع مستقبل الصغير، وربما دمار الأسرة.
وعلى أية حال لا يصح أن نعمم الأحكام، فليس كل طفل مدلل فاسد، لكن مما ابتلينا به فى السنوات الأخيرة، قيادة الأطفال للسيارات، سواء بعلم والديهم أو التصرف خلسة من وراء ظهورهم، وفى كلتا الحالتين النتيجة الكارثية واحدة وهى حصد الأرواح وتخريب الممتلكات، وقد تتساهل بعض الأسر فى قيادة الأطفال للسيارة، وهم يعلمون أن هذا خطر جسيم، وأصبحنا ربما يوميا نرى مشهد صغار يقودون السيارات، وهم لا يعرفون أصول وقواعد القياددة ولا أنظمة المرور، إضافة إلى أنهم لا يرون الطريق بوضوح، ويتسببون فى تكدس حركة المرور، وإرباك قائدى السيارت الآخرين، وأول من يتعرض لهذا الخطر الطفل نفسه.
وهناك بعض الآباء يحملون أطفالهم على أرجلهم أثناء القيادة ويقومون بإمساك المقود معهم، بتصرف غير مسئول، بدعوى أنه من الحب للصغير، بينما يلقى بنفسه وصغيره إلى التهلكة، ومن الأباء من يترك الصغار يخرجون رءوسهم بل ومعظم أجسادهم من النوافذ خارج السيارة، ولو أن أحدا حذرهم من ذلك لا ينال إلا ردا سخيفا «وانت مالك».!
واستغرب من الإهمال والرعونة من الذين يتركون لأبنائهم الحبل على الغارب، ويسمحون لهم –عمدا- بهذا الفعل، مما يجعلنى أسألهم هل لا تخافون على حياة أبنائكم، وهل لا تهتمون بضياع مستقبلهم عندما تتم عقوبتهم بالحبس ويبدأون حياتهم بملفات جنائية سوداء، والقانون لا يعفيكم من المسئولية وتكونون شركاء لهم فى هذه الجرائم ولا تهتمون بالسجن والعقاب، وهل بجانب ذلك أنتم لا يعنيكم دمار سياراتكم، هل دفعتم ثمنها من عرق جبينكم وكدّكم أم من مصادر سهلة أو غير مشروعة، فما يأتى سهلا يروح سهلا؟.
أما المارة وأصحاب السيارات الأخرى فهم الأكثر وقوعا ضحايا لهذه التصرفات الحمقاء، ولا يمكن أن نحصى ضحاياها وعددها ولا نستثنى منها منطقة دون أخرى فهى تحدث فى كل أنحاء البلاد، وآخرها ما حدث فى منطفة حدائق الأهرام، باتهام طفلين بدهس فتاة شابة، فقدت حياتها بسبب التدليل وعدم الاهتمام بتصرفات وطيش الصغار.
ولست هنا بصدد توجيه اتهام ولا تحديد عقوبة ولا حتى تحديد المسئولين عن الواقعة، فهذا من اختصاص الشرطة وجهات التحقيق والتى قامت بدورها على أكمل وجه، بل ألوم الذين خاضوا فى الحادث ونصبوا من أنفسهم حكماء وكأنهم عالمون ببواطن الأمور، فوجدنا معلومات متضاربة متناقضة لا أساس لها، وتشوش الحقائق، فعلى «الوسطاء» أن يمتنعوا عن الأهواء، ويتوقفوا عن سوق المبررات، أو الانحياز لطرف دون الآخر، فالواقعة المؤسفة تفتح ملف قيادة الصغار للسيارات، ويجب دراسة جوانبه الاجتماعية والتربوية والتوعوية والقانونية، لتفادى هذه الكوارث التى تحصد الأرواح وتدمر الممتلكات.
إن كثيرا مما نراه فى زماننا هذا لا يمت لتصرفات الطفولة البريئة بأى صلة، إنما هو من أفعال شياطين مردة، ترتكب جرائم بشعة، وللحقيقة فإن بنيان وعى طفل اليوم يفوق وعى شباب الأمس بما حدث من تطور تكنولوجى وتعليم وكل مناحى الحياة، ومن ثم فإننى مع الأصوات التى تنادى بالعودة إلى النزول بعمر الطفل إلى 16 أو حتى 15 أو 14 عاما، لينال من يخالف أو يرتكب جريمة العقاب الرادع الذى يحمى المجتمع من تلك الجراثيم، ويحافظ على أمنه، وحماية مستقبل الأجيال كى لا تقع فى مستنقعات الانحراف والجريمة.









