تشديد الرقابة
على قيادة القاصرين
كانت تبتسم.. كانت تحلم.. كانت تعمل بيدها الأمينة تحت شمس يونيو الحارقة، لا تطلب من الدنيا سوى لقمة شريفة وعرس قادم تعقد عليه آمالها، هدير محمد شعبان لم تكن رقماً فى إحصاء الحوادث، ولم تكن خبراً يُنسى بعد يومين. كانت روحاً دافئة وقلباً نابضاً وفتاة فى مقتبل العمر، تحدثت لصديقتها قبل دقائق من رحيلها عن خطيبها وعن بيتها الذى تحلم ببنائه، ثم اختطفتها لحظة واحدة لم تستأذن ولم تُنذر.
حين نسمع قصة هدير لا نستطيع أن نمضى بلا ألم، لأنها قصتنا جميعاً، قصة كل بنت بسيطة تخرج من بيتها تحمل أمانة العمل ولا تعلم أن الشارع قد يكون مقبرتها، نبكيها لأنها كانت تستحق أن تعيش، وتستحق أن تتزوج، وتستحق أن ترى أحلامها تتحقق يوماً بعد يوم.
طالبة فى الخامسة عشرة من عمرها، لا تحمل رخصة قيادة، أخذت سيارة والدها واقتحمت الطريق، حسب بيان النيابة العامة.
لكن المأساة لا تقف عند الأب والبنت، إنها تكشف عن جرح أعمق فى جسد مجتمعنا، جرح اسمه اللامبالاة. أثار مقطع الفيديو المتداول موجة واسعة من الاستياء، وسط مطالبات بتشديد الرقابة على ظاهرة قيادة القاصرين للسيارات، ومحاسبة أولياء الأمور الذين يسمحون لأبنائهم باستخدام المركبات بالمخالفة للقانون. وهذا الغضب الشعبى صحيح ومشروع، لكنه يطرح سؤالاً أكثر إيلاماً: لماذا ننتظر الفاجعة لنتذكر أن القانون موجود؟
نعيش فى مجتمع تعلم فيه الكثيرون أن القواعد مجرد اقتراحات، وأن رخصة القيادة إجراء شكلى يمكن الالتفاف عليه، وأن تسليم سيارة لطفل فى الخامسة عشرة مجرد مشوار بسيط لا أكثر. هذه الثقافة لا تصنعها الحوادث بل تصنع الحوادث.
ولن يكون منصفاً أن نكتفى بإدانة المتهمين ونغلق الملف، فالقضية أكبر من قضية جنائية. إنها تستوجب مراجعة حقيقية وشاملة لمنظومة القيادة برمتها، لا بد من تشديد العقوبات على كل من يقود دون رخصة، وأن تكون العقوبة رادعة لا مجرد غرامة مالية تُنسى. ولا بد أن تصبح إجراءات استخراج رخصة القيادة اختباراً حقيقياً للكفاءة والنضج والوعى المرورى، لا ورقة تُمنح بلا حساب. من لا يثبت أهليته على الطريق لا يجب أن يكون خلف المقود، لأن المقود فى يد غير مؤهلة سلاح لا وسيلة تنقل.
العدالة واجبة لهدير، والقانون سيأخذ مجراه إن شاء الله. لكن العدالة الحقيقية هى ألا تتكرر هدير أخرى، وهذا لن يحدث بالغضب على السوشيال ميديا وحده، بل بإرادة حقيقية لتغيير ثقافة التهاون التى أودت بحياة فتاة كانت تحلم بعرسها.
رحمها الله، وأنصف الله أهلها.









