الإثنين, يونيو 29, 2026
  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفي

جريدة الجمهورية

رئيس التحرير

أحمد أيوب

  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
جريدة الجمهورية
لا توجد نتائج
كل النتائج
الرئيسية ملفات

شيطان الجماعة (21) مأمون الهضيبي.. شيزوفرانيا الولاء.. ومستأجر الأرحام السياسية

بقلم حسام الغمري
25 يونيو، 2026
في ملفات
شيطان الجماعة (3)

حسام الغمري

37
مشاهدات
شارك على فيسبوكواتس اب

يرى عالم الاجتماع الإيطالي فيلفريدو باريتو (Vilfredo Pareto) (1848 – 1923) أن الخطيئة الكبرى للنخب المؤدلجة لا تكمن في ممارستها لآلية التضليل الممنهج ضد الجماهير فحسب، بل في وقوعها ضحية لـ “الخداع الذاتي”.

إن الفاعلين المؤدلجين -في تحليله- نادراً ما يمتلكون الوعي الحقيقي بالدوافع العميقة التي تحرك سلوكهم؛ فهم لا يتصرفون بناءً على المبادئ العقلانية أو الشعارات الأخلاقية والخطط الإصلاحية التي يعلنونها للعامة، بل يُساقون بغرائز دفينة ونوازع مصلحية سيكولوجية وطبقية ومؤسسية. وما إن تتبلور هذه الدوافع في الواقع، حتى تنبري الآلة الذهنية لهذه النخب لابتكار “مسوغات أيديولوجية، وأقنعة دينية، وتبريرات سياسية” لاحقة، هدفها الوحيد هو تجميل تلك الدوافع البدائية ومنحها مشروعية زائفة في عيون المجتمع.

وقد صاغ باريتو هذا التفاعل الجدلي الدقيق عبر مفهومين محوريين في نظريته: “الرواسب” (Residues) و”الاشتقاقات ” (Derivations)

الرواسب: تمثل النواة الصلبة والمصالح الحقيقية الكامنة في أعماق البنية النفسية والاجتماعية للتنظيمات السرية

(مثل شهوة السلطة، الرغبة في التوسع، الغريزة القبلية، وإرادة الهيمنة)

الاشتقاقات: تمثل الخطابات الفضفاضة، والإنشاء البلاغي، والشعارات الرنانة التي تُغطى بها تلك النواة؛ فهي تعمل مثل “ستارة المسرح” الجذابة التي تُخفي خلف كواليسها الصراعات الحقيقية والمصالح الضيقة.

بناءً على هذه الرؤية الفلسفية، يتحول السؤال الجوهري في قراءة المشهد الإخواني من المقاربة السطحية التي تسأل: “ماذا يقولون؟” إلى المقاربة التفكيكية العميقة التي تبحث: “ما هي الرواسب الكامنة التي دفعتهم لقول هذا تحديداً؟”.

ومن هنا، يتكشف تاريخ جماعة الإخوان باعتباره تاريخاً للأقنعة والتبدلات الظاهرية، حيث تُرفع رايات التحرر لاخفاء أدوات الهيمنة، وتُساق وعود العدالة لتكريس الاحتكار الفئوي، ويُبشر بالإصلاح كغطاء تكتيكي لعمليات التمكين الإقصائي.

وحين يُسقط هذا التحليل على تاريخ جماعة الإخوان المتأسلمين ، يبرز مأمون الهضيبي كأحد أكثر قيادات الجماعة قدرة على إدارة خطوط الدفاع “التبريرية ” وصناعة الأقنعة المناورة.

لم تنبع خطورة الهضيبي من كونه قائداً تنظيمياً تقليدياً أو صاحب كاريزما جماهيرية جارفة، بل من كونه المهندس السلوكي الذي رسخ داخل الجماعة ثقافة “التعدد الوظيفي للأقنعة” والبراجماتية الأداتية الفائقة، حيث استطاع التنظيم في عهده إظهار وجوه متباينة ومتناقضة في آن واحد:

1. قناع الديمقراطية والوصاية: تقديم خطاب علني يؤمن بالتعددية وصندوق الاقتراع، بالتوازي مع استبطان عقيدة “الوصاية المطلقة” والحق الإلهي في التوجيه والقيادة .

2. قناع الدولة المدنية والتنظيم السري: التبشير بالدولة الحديثة ومؤسساتها، مع الاحتفاظ بالولاء الهيكلي والعقائدي المطلق لـ “التنظيم السري” الموازي لكيان الدولة.

3. قناع التحالف المصلحي والوسائل المؤقتة: بناء جسور التقارب نهاراً مع القوى الليبرالية واليسارية تحت لافتة “العمل الوطني المشترك”، بينما يتم التعامل مع هذه القوى كـ “محطات مؤقتة” وأدوات استهلاك سياسي يُتخلص منها فور الوصول إلى الهدف؛ مع الحفاظ على روح “التقرب إلى الله” بالبنية المسلحة الخاصة بالتنظيم.

لقد تجاوز مأمون الهضيبي دور المرشد السادس التقليدي المعني بالوعظ أو التربية التنظيمية، ليمارس دور “ترزي الصفقات البرلمانية والسياسية” الذي يفصل الأيديولوجيا وفقاً لمقاسات المصالح الآنية والمراحل التاريخية.

كما جسد دور “مؤجر الأرحام السياسية”، الذي أدرك بخبث ميكافيلي أن تمرير مشروع الجماعة واختراق مفاصل الشرعية الدستورية قد يتطلب أحياناً التخفي خلف أحزاب أو قوى أخرى، واستغلال كتلهم وتياراتهم كأدوات عبور موقتة للوصول إلى قمة السلطة.

وبهذا لم يكن مأمون الهضيبي صاحب أخطر فكرة في تاريخ الجماعة الإرهابية ، ولم يكن أكثر رجالها حضوراً ، لكنه كان من أكثرهم براعة في تحويل التناقض إلى سياسة، والازدواجية إلى منهج عمل، والمصلحة التنظيمية إلى عقيدة كاملة.

ففي عهده لم تعد الأقنعة مجرد وسائل مؤقتة للاختباء، بل تحولت إلى جزء من هوية التنظيم نفسه.

أرستقراطية السراديب: التوريث الرمزي وصناعة السلالة التنظيمية

قامت السردية التأسيسية المعلنة لجماعة الإخوان على تقديم البنية الهيكلية للتنظيم باعتبارها واحة للشورى، والانتخاب الحر، والتداول القائم على معايير الكفاءة والجهد الحركي.

غير أن القراءة التفكيكية لآليات الصعود التاريخي داخل هرم السلطة التنظيمية تكشف عن فجوة حادة بين الشعار المرفوع والواقع المعاش؛ إذ تبدو الهياكل الداخلية في كثير من الأحيان أقرب إلى نظام “الأوليغارشية المغلقة” منها إلى المؤسسات الشورية.

ويتجلى هذا التناقض البنيوي بوضوح عند فحص المسيرة التنظيمية لمأمون الهضيبي.

فالرجل لم يكن كادراً عادياً تسلق سلم النفوذ عبر آليات الفرز الديمقراطي التقليدية، بل كان صعوده محكوماً -في المقام الأول- بكونه ابناً للمرشد الثاني للجماعة، حسن الهضيبي.

هذا المعطى يضع التنظيم أمام معضلة تحليلية وأخلاقية حتمية: هل استحق مأمون الهضيبي موقعه بناءً على كفاءة مجردة اختبرتها القواعد، أم أن “اللقب العائلي” كان بمثابة صك مرور استثنائي حسم الصراع التراتبي لصالحه قبل أن يبدأ؟

في الفضاء العلني، استمرت الجماعة في تصدير أدبيات المؤسسية والشورى، لكن في الدهاليز العميقة لاتخاذ القرار، كانت بعض الألقاب والعائلات تمتلك رصيداً تاريخياً ونفوذاً موروثاً لا يمكن المساس به.

ومن رحم هذه الممارسة، تحولت السراديب التنظيمية تدريجياً إلى بيئة خصبة لإنتاج “سلالة قيادية مغلقة” تتبادل المواقع وتكتنز النفوذ.

لم يكن هذا التحول توريثاً ميكانيكياً أو معلناً بل كان نمطاً معقداً من “التوريث الرمزي”.

وهو نمط يمنح أسماءً بعينها أفضلية هيكلية دائمة، وحصانة من المساءلة، وأسبقية في حسم الولاءات داخل النخبة الضيقة لغرف الظل. وهكذا، وجد مأمون الهضيبي نفسه جزءاً من طبقة أرستقراطية ولدت في قلب القيادة التنظيمية وتشكلت ملامحها قبل أن تتاح للقواعد فرصة الاختيار الفعلي.

أمام هذه الحقائق العارية، تتهاوى الشعارات الرومانسية التي طالما بشرت بالمساواة الحركية وتكافؤ الفرص داخل الجماعة.

شيزوفرينيا الولاء.. القاضي المستتر تحت عباءة سيد قطب

تتبدى في المسيرة الحياتية والسياسية لمأمون الهضيبي واحدة من أعقد حالات “شيزوفرينيا الولاء” في تاريخ الحركات المؤدلجة ؛ حيث تلتقي في شخصية واحدة متناقضات الهوية، والوظيفة، والمرجعية.

فالرجل الذي انخرط عميقاً في سلك القضاء المصري، ووصل إلى قمة هرمه التنفيذي كرئيس لمحكمة غزة عام 1956 – إبان الإدارة المصرية للقطاع – لم يكن مجرد موظف تكنوقراطي، بل كان حارساً ساهراً على روح القانون، يرتدي وشاح العدالة، ويصدر الأحكام باسم الدولة وسيادتها، ويُقسم على حماية دستورها وتثبيت أركان سلّمها المجتمعي.

لكن خلف هذه الواجهة الرسمية الصارمة، كان الهضيبي يعيش في عالم موازٍ ومناقض تماماً، محكوماً بـ “البيعة التنظيمية” المطلقة لتنظيم سري يرى نفسه -بنيوياً وفكرياً- فوق المجتمع، وفوق الدولة، وفوق منظومتها التشريعية برمتها.

إن هذه الحالة تمثل انشطاراً حاداً في الوعي؛ حيث ينقسم الكيان الواحد إلى عالمين متوازيين لا يلتقيان:

 العالم الأول: عالم القانون الصارم، والمؤسسات الرسمية، والشرعية الدستورية الظاهرة.

 العالم الثاني: عالم السراديب المعتمة، والأوامر الفوقية، والولاء العقائدي العابر للحدود والأنظمة.

وعلى مدار سنوات، استطاع الهضيبي الحفاظ على توازنه الهش فوق حبل المشهدين، محترفاً الفصل الوظيفي بين واجبه كقاضٍ ومرجعيته كحركي، دون أن يسمح بوقوع صدام مكشوف يعطل مسيرته في أي من العالمين. بيد أن هذا التعايش البراجماتي لم يكن سوى كمون مؤقت، سرعان ما بددته عاصفة عام 1965.

مع انفجار قضية “تنظيم سيد قطب المسلح”، تهاوت كل الحواجز المصطنعة وسقطت أوراق التوت عن المشهد؛ فوجود قاضٍ مثل مأمون الهضيبي في قوائم المعتقلين بتهمة الانتماء لتنظيم يخطط لتقويض أركان الدولة، لم يكن مجرد حدث أمني، بل كان فضيحة معرفية وأخلاقية.

في تلك اللحظة الحرجة، تكشفت الحقيقة العارية: لم نكن أمام قاضٍ مستقل يبسط كلمة العدالة، بل أمام كادر تنظيمي ملتزم بـ “أيديولوجية قطبية” ترى في الدولة ومؤسساتها مجرد كيانات جاهلية تجب مغالبتها أو اختراقها.

منذ ذلك المنعطف التاريخي، تجلت الصورة الحقيقية لولاء الهضيبي دون مواربة؛ فرغم تمكنه من أدوات القانون ولغته ومصطلحاته، إلا أن المطرقة الحقيقية التي كانت تحرك قناعاته وتوجه بوصلته لم تكن مطرقة القاضي على منصة العدالة، بل كانت مطرقة “المرشد المستقبلي” الكامنة في أعماقه، والتي لا تدين بالولاء إلا لسراديب الجماعة وهياكلها المغلقة.

عندما تبرّك مأمون الهضيبي بـ “الجهاز السري”

تتحين الذاكرة التاريخية للشعوب لحظات مكاشفة نادرة، تنفلت فيها الحقائق من عقال الاستراتيجيات الدعائية الصارمة، لتكشف في ثوانٍ معدودات ما دأبت الجماعات المؤدلجة على ستره طيلة عقود.

وقد تمثلت أبرز هذه التجليات الكاشفة في “مناظرة القرن” الشهيرة التي احتضنها معرض القاهرة الدولي للكتاب في الثامن من يناير عام 1992م. كان السياق العام آنذاك يشهد محاولات حثيثة من جماعة الإخوان لإعادة تسويق نفسها كحركة مدنية سلمية، قطعت صلتها تماماً بإرث الدم، وتعلمت من خطايا الماضي، وباتت تطرح “المشاركة السياسية بدلاً من المغالبة والمواجهة العنيفة”.

غير أن الهالة السلمية المفتعلة انهارت تماماً تحت وطأة سؤال واحد فجر كوامن العقيدة السرية.

فحين طُرِح ملف “التنظيم الخاص” (الجهاز السري) -بكل ما يحمله في الوجدان الجمعي من سجلات الاغتيال، والعمليات المسلحة، وتخريب منشآت الدولة- لم يلجأ مأمون الهضيبي إلى مناورات الإنكار، أو التبرؤ الأخلاقي، أو حتى استخدام الصياغات الدبلوماسية التلطيفية.

بل على النقيض تماماً، تحركت بداخله “غريزة الدفاع العضوي” عن ماضي الجماعة، واختار المواجهة العلنية الصادمة متحدثاً بلسان الفخر والاعتزاز بهذا الجهاز الدموي، ومعلناً أنهم “يتقربون إلى الله به” .

في تلك اللحظة الاستثنائية، لم يكن المتحدث مجرد مستشار سابق أو سياسي براجماتي يزن كلماته بميزان المصالح ، بل كان صوتاً عابراً للزمن صادراً من قاع “اللاوعي والتكوين السيكولوجي للجماعة”.

لقد كشف هذا التصريح أن العقل الجمعي للتنظيم لم يتصالح قط، ولن يتصالح، مع فكرة التخلي الفعلي عن أدوات العنف والتصفية، وأن مراجعات السلمية لم تكن سوى “هدنة تكتيكية” يفرضها ضعف التمكين.

وهكذا، تحولت مناظرة معرض الكتاب من مساحة لترسيخ الاندماج المدني إلى شهادة إدانة تاريخية مسجلة بالصوت والصورة.

لتكون النتيجة الحتمية أن القناع المدني، الذي استغرق نسجه وتطريزه سنوات من التضليل، قد تمزق في دقائق معدودة أمام حقيقة الولاء الأعمى لسراديب العنف.

التحالفات البرجماتية.. وتكتيك الاختراق الناعم

إذا كان ثمة فصل يختزل العقلية الحركية لمأمون الهضيبي ويجسد جوهر مسيرته، فهو فصل “هندسة التحالفات”؛ فمرشد الجماعة السادس لم يكن منظّراً أيديولوجياً بالمعنى الفلسفي، ولا صاحب أطروحة فكرية تجدد أدبيات الجماعة، بل كانت “التكنوقراطي” الأبرز الذي يجيد تفكيك القوانين وإعادة تركيب الواقع السياسي لخدمة التنظيم.

لقد اصطدم الهضيبي بالبنية التشريعية للدولة المصرية التي تحظر قيام الأحزاب على أسس دينية، وأدرك مبكراً عجز الجماعة الهيكلي عن اختراق البرلمان منفردة في ظل المنع القانوني.

وهنا برزت موهبته في الالتفاف على النصوص؛ فبدلاً من استهلاك طاقة التنظيم في معارك قانونية خاسرة لتأسيس حزب خاص، قرر تحويل أحزاب الآخرين إلى منصات عبور.

وتجلى هذا التكتيك في طفرتين تاريخيتين: التحالف مع حزب “الوفد” الليبرالي العريق عام 1984، ثم القفز والتحالف مع حزب “العمل” ذي الصبغة الاشتراكية/القومية عام 1987 ، قبل أن تتبدل صبغته نحو ما سُمِّي لاحقاً بـ (الاشتراكية الإسلامية) .

أنتجت هذه التحركات مشهداً سريالياً غارقاً في التناقض: تنظيم ديني عقائدي يتحالف نهاراً مع الوفد القائم على الليبرالية والعلمانية، ثم ينتقل بسلاسة إلى حزب “العمل” ذي التوجهات المغايرة جذرياً.

وأمام هذا المشهد العبثي، تتهاوى الأسئلة التقليدية عن “الثبات الفكري، ونقاء المبدأ، والخصوصية الأيديولوجية” التي طالما طنطنت بها الجماعة في أدبياتها التربوية؛ إذ تبين أن المبدأ في الفكر الهضيبي لم يكن معياراً ناظماً للتحرك، بل كانت الغاية الكبرى هي “التمكين واختراق الشرعية الدستورية” بأي ثمن، حيث غدت المقاعد البرلمانية هي الهدف الأسمى، ولم تكن اليافطات الحزبية للشركاء سوى ستائر تكتيكية.

من رحم هذه الممارسة، صاغ الهضيبي مفهوم “الأرحام السياسية المستأجرة”؛ حيث تُستغل الأحزاب القائمة كأوعية شرعية مؤقتة، تَحمل مشروع الجماعة وتمنحه الغطاء القانوني والانتخابي الذي يفتقده، حتى إذا قُضي الأمر وولد النفوذ البرلماني للإخوان، تُرِك صاحب الرحم الأصلي يواجه مصيره.

لقد أدار الهضيبي المشهد بعقلية ” المقاول ” الذي يتعامل مع القوى السياسية كأدوات وظيفية بحتة؛ فالأداة تُستخدم طالما أنها تحقق منفعة حركية، والشعار يُعدّل أو يُستبدل إذا اقتضت مصلحة التمكين.

المقصلة التنظيمية.. وصراع السمع والطاعة

لم تكن المعركة الكبرى والخطيرة التي خاضها مأمون الهضيبي محصورة في جبهات المواجهة الخارجية مع مؤسسات الدولة أو مساحات المناورة مع الأحزاب المدنية، بل كانت “المعركة الوجودية” الأشد ضراوة هي تلك التي أدارها بالداخل ضد الجسد الحركي للجماعة وأبنائها.

فمع مطلع تسعينيات القرن العشرين، برزت داخل التنظيم ملامح شرخ جيلي وفكري عميق مع صعود ما عُرف بـ “جيل الوسط”، وهو تيار شبابي متأثر بالعمل النقابي والعلني، وحاول تقديم قراءة تحديثية لأدبيات الجماعة.

أراد هذا التيار تفكيك “عقدة السرداب” والانتقال بالبنية الهيكلية من صيغة التنظيم العقائدي المغلق إلى نموذج “الحزب المدني المستقر” المتوافق مع شروط الدولة الحديثة والمواطنة، ممثلاً في مشروع “حزب الوسط”.

عند هذا المنعطف، تجلّى الوجه الأكثر راديكالية وضيقاً للحرس القديم بقيادة مشهور و الهضيبي الذي وصف تحركهم بأنه “تمرداً كاملاً” على البيعة؛ إذ لم يكن الخلاف مجرد تباين عادي حول التكتيكات السياسية، بل كان صراعاً هوياتياً وبنيوياً حول ماهية الجماعة ذاتها ومستقبلها: هل تتحول إلى مؤسسة سياسية علنية مرنة تقبل المحاسبة والشفافية وتتعدد فيها الآراء؟ أم تظل وفية لشرنقتها التاريخية، كتنظيم قطبي مغلق محكوم بـ “البيعة العقائدية المطلقة” وثنائية السمع والطاعة؟

انحاز الهضيبي بلا تردد أو مواربة للخيار الأخير، مشهراً “المقصلة التنظيمية” لحماية أوليغارشية الحرس القديم؛ ففرض انضباطاً حديدياً ثقيل المعايير، وصادر كل المبادرات التحديثية، وأقصى الأصوات المخالفة عبر لجان التحقيق والفصل التكتيكي، معيداً ترسيخ “الطاعة العمياء” كمعيار وحيد للولاء وصك البقاء داخل التنظيم .

وبذلك، انتصرت البنية الجافة على محاولات الحيوية الفكرية، وتغلبت المركزية المتصلبة على ديناميكية الاجتهاد، وتفوقت ثقافة السراديب المعتمة على أفق الحوار المفتوح.

لقد كانت تلك لحظة تراجيدية مفصلية في تاريخ الإرهابية ؛ فالجماعة بتجريفها لرموز جيل الوسط لم تخسر مجرد كتل بشرية ورموز شابة قد تمتلك بعض القبول مجتمعي، بل انتحرت معرفياً وخسرت “فرصة تاريخية لن تتكرر” لإعادة مراجعة ذاتها وتفكيك بنيتها الشمولية ،مفضلاً أن يظل سجين العزلة الشعورية والسرية على أن يتنفس هواء المدنية والعلنية.

كيف انتصر حراس الهيكل الإخواني؟

حين يُطرح السؤال الحتمي: “أين المشروع الفكري أو الكتاب التأسيسي أو الأطروحة الفلسفية التي صاغها الهضيبي لتجديد دماء جماعته؟” تأتي الإجابة صادمة بـ “الفراغ المطلق”؛ إذ لم يترك الرجل وراءه سوى أدبيات إدارية، وتعليمات حركية، وبيانات صحفية عابرة.

تختزل هذه الحالة أزمة بنيوية تجاوزت شخص الهضيبي لتصيب التنظيم بأكمله؛ فقد كان الرجل “بيروقراطياً حركياً” بامتياز، تكنوقراطاً معنياً بحراسة الجدران الصلبة لا بترميم الأفكار السائلة، وحامياً وفياً للبنية التراتبية لا مطوراً للمضمون المعرفي.

ومن قلب هذه المدرسة الإدارية الصارمة، تكرست الخطيئة الكبرى داخل الجماعة: حيث انتصر الهيكل على الفكر ، وتفوقت آليات الإدارة على ديناميكيات التحول، وغدا معيار “النجاح ” مقاساً بمدى قدرة الآلة التنظيمية على البقاء ، لا بقدرتها على النقد الذاتي، أو التجدد المعرفي، أو الاستجابة لمتغيرات العصر.

لقد تحولت الجماعة في عهد الهضيبي، إلى ما يشبه “المؤسسة الشمولية الضخمة” التي تدير فائض قوتها العددية والمالية بكفاءة ميكانيكية عالية، لكنها تعاني في الوقت ذاته من “أنيميا حادة” وفقر مدقع في الخيال السياسي والإنتاج الفكري.

ومع غياب العقل المجدد، تحول الحفاظ على توازنات السلطة الداخلية وصيانة التراتبية التنظيمية إلى غاية قصوى تلتهم ما عداها؛ فصودر الإبداع لصالح الانضباط الحديدي، واستُبدل التفكير الحر والتساؤل النقدي بعقيدة الولاء الأعمى والمثول الطقسي للأوامر الفوقية.

وكانت النتيجة الحتمية لهذه المنهجية هي إنتاج “تنظيم بلا عقل”، آلة حركية ضخمة تملك عضلات وهياكل وسراديب، لكنها تفتقر إلى النواة الفلسفية والأخلاقية التي تجعلها قادرة على قراءة التاريخ، مما جعل سقوطها المعرفي والمجتمعي مسألة وقت لا غير، بعد أن أفرغت نفسها بنفسها من أي مضمون فكري حقيقي.

تركة الشيطان.. سياسة بلا حياء وتنظيم بلا عقل

تعود بنا سيرة مأمون الهضيبي إلى المربع الأول لنظرية المفكر الإيطالي فيلفريدو باريتو (Vilfredo Pareto) ؛ لتؤكد بالدليل التاريخي الدامغ أن قيادات الأيديولوجية المغلقة لا تعيش أبداً بـــــ “الاشتقاقات” والشعارات الأخلاقية والخطابية التي تصدّرها للعامة، بل تقتات وجودياً على رعاية “الرواسب” والمصالح الغريزية الكامنة في دهاليزها العميقة.

وحين رحل الهضيبي عن عالمنا في يناير من عام 2004م، خلف وراءه تركة شديدة الخطورة: تنظيماً احترف صناعة الأقنعة والتبدل الحربائي، وأتقن لغة المناورة والمغالطة السياسية والتاريخية .

ومن رحم هذا الإرث المأزوم، نبتت الأجيال الإخوانية اللاحقة؛ أجيال ورثت تقديس الانضباط الحديدي لا حيوية الفكر، وتشرّبت أدبيات الصراع والمظلومية بدلاً من شجاعة المراجعة، فغدت مخلصة لصنم الهيكل التنظيمي.

ولعل الدرس الأكبر الذي صاغته مسيرة مأمون الهضيبي هو أن التنظيمات التي تتقن العيش خلف الأقنعة وتستبدل العقل البشري بالآلة الإدارية الصارمة، قد تنجح في تأجيل سقوطها عبر الصفقات والمناورات، لكنها عندما تسقط أخيراً أمام وعي المجتمعات وحقائق التاريخ، تسقط كالجثث الهامدة التي لا تملك عيوناً لترى بها المستقبل، ولا عقولاً لتنقذ بها نفسها من الفناء الحتمي.

متعلق مقالات

5 أرقام استثنائية فى «يوم المجد»
ملفات

مصر «منورّة»

23 يونيو، 2026
«العميد» يحسم الجدل: «صلاح» قائد استثنائى
ملفات

ماذا لو لم تقم 30 يونيو ؟

23 يونيو، 2026
مواجهة الفجر «الفراعنة»  يقاتلون من أجل الفوز على نيوزيلندا
ملفات

ماذا لو لم تقم 30 يونيو؟

21 يونيو، 2026
المقالة التالية
«تنسيقيـة الأحـزاب».. وتقنين المنصـات الإلكـترونية

المـدرب الوطـني المظلـوم

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ملحق الجمهورية التعليمي

الأكثر قراءة

  • هيثم جويدة يكتب: معاهد القاهرة الجديدة.. نموذج مصري مشرف يصنع جيلًا قادرًا على المنافسة

    هيثم جويدة يكتب: معاهد القاهرة الجديدة.. نموذج مصري مشرف يصنع جيلًا قادرًا على المنافسة

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • مستر مصطفى برعي… «The Master of Mathematics».. من إنقاذ أبنائه بالمنزل إلى منصة مجانية تخدم آلاف الطلاب في مصر

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • إنجاز تاريخي.. مصر إلى دور الـ 32 بمونديال 2026 لمواجهة أستراليا

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • رئيس نقابة «بتروجاس» يكرم اسم الراحل مؤمن رمضان بحضور والده.. لفتة وفاء وتقدير

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
لوجو جريدة الجمهورية
جريدة الجمهورية هي صحيفة قومية أنشأتها ثورة 23 يوليو عام 1952, صدر العدد الأول منها في 7 ديسمبر 1953م, وكان الرئيس الراحل محمد أنور السادات هو أول مدير عام لها, ثم تعاقب على رئاسة تحريرها العديد من الصحفيين ويتولي هذا المنصب حالياً الكاتب الصحفي أحمد أيوب.

تصنيفات

  • أجراس الأحد
  • أخبار مصر
  • أهـلًا رمضـان
  • أهم الأخبار
  • إقتصاد و بنوك
  • الجمهورية أوتو
  • الجمهورية معاك
  • الدين للحياة
  • العـدد الورقـي
  • برلمان و أحزاب
  • تكنولوجيا
  • حلـوة يا بلـدى
  • حوادث و قضايا
  • رياضة
  • سـت الستـات
  • شهر الفرحة
  • عاجل
  • عالم واحد
  • عالمية
  • عرب و عالم
  • عقارات
  • فن و ثقافة
  • متابعات
  • مجتمـع «الجمهورية»
  • محافظات
  • محلية
  • مدارس و جامعات
  • مع الجماهير
  • مقال رئيس التحرير
  • مقالات
  • ملفات
  • منوعات

أحدث الأخبار

من «الحضرى» إلى «أوفا» شباك الفراعنة .. «محروسة»

لا تفاهم.. رغم «مذكرة التفاهم»!

بقلم شريف عبدالحميد
28 يونيو، 2026

من «الحضرى» إلى «أوفا» شباك الفراعنة .. «محروسة»

انطلاق التدريب الجوى المصرى – التركى «نسر الأناضول – 2026»

بقلم أحمد هاشم
28 يونيو، 2026

من «الحضرى» إلى «أوفا» شباك الفراعنة .. «محروسة»

تأهل تاريخى.. واحتفالات «فوق الوصف»

بقلم جريدة الجمهورية
28 يونيو، 2026

  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©

لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
إتصل بنا

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©