تستحق أيام شهر “يونيو” مع المصريين أن نتوقف أمامها، هو شهر متنوع وربما حائر، معظم أيامه، عشرون يوماً تقع في فصل الربيع، لكنها عملياً أقرب إلى حرارة الصيف، وعشرة أيام منه تقع فلكياً في الصيف، لكنها دون يوليو أو أغسطس، صيف غير حارق وربيع بلا روح أو جمال الربيع، هذا العام عانينا موجة حرٍّ لاهب في “يونيو”، قيل إنها قدمت إلينا من أوروبا، ومرت بنا أيام معتدلة.
ويبدو أن أحداث هذا الشهر في التاريخ على هذا النحو، فيها الانتصار وقوة وصلابة الشعب المصري، أيام مجيدة وأحداث عظيمة، فيها أيضاً المؤامرات والانكسارات، كل يوم منها يستحق كتاباً وربما كتباً، يكفي أن نذكر ونتذكر يوم 30 يونيو، سنة 2013، حين هَبَّ المصريون إلى الشوارع والميادين يزيحون ركام جماعة إرهابية، باغية، استولت على البلاد، ولكن لنؤجل اليوم الحديث عن ثورة 30 يونيو ونعود إلى يوم آخر في هذا الشهر، في القرن قبل الماضي.
يوم 11 يونيو سنة 1882، كان اليوم الفعلي الذي ضُرِبت فيه الحركة الوطنية التي كان يقودها أحمد عرابي وصحبه، وهو يوم أن طعن بحار مالطي حماراً في الإسكندرية وقتله، بعد أن رفض أن يدفع أجر توصيلة على الحمار، ترتب على تلك الجريمة معركة في شوارع الإسكندرية بين الوطنيين والأجانب، سقط فيها أعداد من الجانبين، اتخذتها بريطانيا ذريعة للتدخل العسكري لحماية الأجانب، كما زعموا، وانتهى الأمر باحتلال مصر في نفس السنة، وقد اعتبر المفكر الكبير عباس العقاد ذلك اليوم في كتاب بعنوان (11 يونيو) بأنه بداية الاحتلال.. وقد أعدمت بريطانيا كثيراً من وثائق تلك الأحداث والأيام؛ لأنها تكشف حجم التآمر الفج الذي قاموا به ضد مصر والمصريين لاحتلال البلاد.
لكن بحكمة إلهية، يأتي يوم 18 يونيو سنة 1956، ليزيل آخر آثار ونتائج 11 يونيو، حيث رحل عن بلادنا سنة 56 آخر جندي بريطاني، وفق معاهدة الجلاء التي تم توقيعها بين مصر وبريطانيا، وَقَّع عن مصر الرئيس جمال عبد الناصر، وعن بريطانيا السير “أنتوني إيدن”، وجاء التوقيع بعد مفاوضات شاقة بين البلدين، المهم أن “الجلاء التام” تحقق بالفعل.
في صغرنا كنا نحتفل بهذا اليوم ويسمى “عيد الجلاء“، ولفت كاتبنا الكبير محمد سلماوي، في عموده، صباح السبت بجريدة الأهرام، إلى توقف الاحتفاء بذلك العيد، أيام الإجازات في العمل الحكومي تخضع لقواعد معينة، ولكن هذا ليس مبرراً لأن نتجاهل ذلك الحدث.
المؤسف أن هناك من يتعمدون تجاهل ذلك الحدث تماماً؛ لأنهم اعتبروه يوماً يخص عبد الناصر وزملائه من أعضاء مجلس قيادة الثورة، لذا يتجاهلون الحدث أو يهونون منه، صحيح أن عبد الناصر ومن معه أنجزوا المعاهدة وتحقق الجلاء, لكن هدف وحلم “الجلاء التام” لم يفارق معظم المصريين منذ أن احتلت بريطانيا مصر في سبتمبر، سنة 1882.
فور الاحتلال أعلنت بريطانيا أن وجودها مؤقت في مصر، لمدة سنتين، لحفظ وتثبيت الأمن والاستقرار والحفاظ على أرواح الأجانب.. وفعلاً بعد عامين طلب المصريون من بريطانيا الوفاء بتعهداتها، وفي سنة 1885، جرت مباحثات، لكن بريطانيا تفاهمت مع الدولة العثمانية، صاحبة “الشرعية” وقتها على أن تغمض عينيها عن الوجود البريطاني في مصر مقابل أن تدعمها بريطانيا في الصراع مع روسيا القيصرية، ومن هنا تحركت المقاومة المصرية وتشكلت “جمعية الانتقام” لمقاومة المحتل، وتمكنت بريطانيا بعد مدة من القبض على زعماء الجماعة.
ثم توفي الخديوى توفيق فجأة -وفاة تحيط بعض الشكوك بملابساتها- ثم تولى نجله الخديوى عباس حلمي (الثاني) سنة 1892، ومن اللحظة الأولى وضحت كراهيته للاحتلال وراح يدعم العناصر الوطنية التي ترفض المستعمر مثل مصطفى كامل وأحمد لطفي السيد وغيرهما، ناصبه اللورد كرومر العداء، ثم تأسس الحزب الوطني وحزب الأمة، ثم حزب الإصلاح، واشتدت الحركة الوطنية فأمكن لها أن تطيح باللورد كرومر بعد حادث دنشواي، الفضل الأول يعود إلى الحملة الدولية التي شنها الزعيم مصطفى كامل ضده، وتأسست الجامعة المصرية، بهدف بناء كوادر علمية تقود البلاد بعد تحقق الاستقلال، وهكذا مضت الأمور، حتى قامت الحرب العالمية الأولى وعَزلت بريطانيا عباس حلمي، ثم انتهت الحرب وقامت ثورة 1919، والهدف الذي هتفت به حناجر الرجال والنساء “الجلاء التام أو الموت الزؤام“، وأدت الثورة إلى تصريح 28 فبراير 1922، الذي منح مصر استقلالاً مشروطاً أو منقوصاً، ثم تواصل كفاح المصريين فكانت انتفاضة 1935، التي أدت في النهاية إلى معاهدة سنة 1936، التي وقعها عن مصر الزعيم مصطفى النحاس (باشا) وعن بريطانيا أنتوني إيدن نفسه، وسمحت المعاهدة ببقاء القوات البريطانية في منطقة القناة لحماية الملاحة في قناة السويس وكانت حجتهم أن مصر ليس لديها جيش قوي قادر على حماية القناة، لذا عملت مصر على زيادة أعداد الجيش والعمل على تسليحه.. سياسياً واصل زعماء مصر المطالبة بإتمام الاستقلال، فكانت مفاوضات صدقي/ بيفن، سنة 1946، وفشلت بسبب تعنت الإنجليز، وجاء بعد حكومة صدقي، الزعيم محمود فهمي النقراشي، الذي يئس من التفاوض مع بريطانيا فذهب إلى الأمم المتحدة لعرض القضية المصرية ولم نفز بشيء، ثم جاء بعده النحاس باشا وألغى في أكتوبر 1951 معاهدة 36، ثم بدأ الكفاح المسلح في منطقة القناة وكان حريق القاهرة في يناير 1952، ثم قامت ثورة يوليو، وكانت قضية الاستقلال على رأس أولويات رجالها، فكان النشاط الفدائي في منطقة القناة وكان التفاوض وكانت معاهدة الجلاء، الذي اكتمل يوم 18 يونيو سنة 1956، قبل سبعين عاماً بالتمام والكمال.
من مفارقات السياسة أن جماعة الإرهاب حاولت اغتيال جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، بسبب توقيع المعاهدة، إذ أشاعوا أن المعاهدة تُمَكِّن الإنجليز من مصر أكثر، ولما تحقق الجلاء وبطلت ذريعتهم، رغم أنه لا توجد ذريعة تبرر الإرهاب، زعموا أن محاولة الاغتيال “مفبركة”.
نعم حققت ثورة يوليو الجلاء التام، وهذا دور وطني لا يصح تجاهله ولا التهوين منه بسبب الهوى السياسي أو الميل الأيديولوجي.. نجاح ثورة يوليو وجمال عبد الناصر شخصياً في هذا الدور، لا ينفي ولا يسقط كفاح أجيال سبقت وزعامات قدمت أقصى ما لديها من مصطفى كامل ومحمد فريد ثم سعد زغلول وكل زعماء ثورة 1919، ومن جاء بعدهم من الجيل التالي وصولاً إلى قادة ثورة يوليو، كان عبد الناصر وهو تلميذ في المدرسة أحد الشبان الذين خرجوا في انتفاضة سنة 1935.
في طريق الاستقلال وتحقيق الجلاء، سلك الزعماء كافة السبل، الجماعات السرية آمنت بالكفاح المسلح، الذي تمثل في العمل على التخلص من رموز الاحتلال، الزعيم مصطفى كامل رفع شعار أنه لا تفاوض مع المُحتل قبل الجلاء التام، واتجه إلى فضح المحتل بالحملات الصحفية والاستعانة بفرنسا ضد بريطانيا، وفريق آخر رأى ضرورة التفاوض، ثم كانت الثورة في سنة 19، فخلخلت المحتل، ومع الثورة كان التفاوض، وجربنا كذلك الخروج إلى المحافل الدولية، وحصلنا على درجات من الاستقلال، وفي الطريق حدثت منعطفات عديدة وجرت على أرض الوطنية خلافات وتباينات عديدة، أبرزها خلاف سعد زغلول وعدلي يكن، ورغم حدة الخلافات والصراعات فقد كان هناك حرص على عدم المساس بالهدف النهائي الذي التقى حوله الفرقاء.
وينبغي القول إنه كان هناك أفراد ومجموعات مصالح صغيرة رأت بقاء الاحتلال كي نظل مرتبطين بأوروبا، صاح أحدهم مرة أن علاقة مصر وبريطانيا هي “زواج كاثوليكي”، أي لا انفصام، وتم اغتياله وما بكاه أحد، لكن تيار الوطنية كان غالباً واجتاح بعض النتوءات والشوائب، حتى اكتمل لنا الاستقلال “الجلاء التام”، قبل سبعين عاماً.
هي مناسبة تستحق اهتماماً واحتفاءً خاصاً، من المراكز العلمية والتاريخية، فضلاً عن المؤسسات الثقافية المتخصصة، من حق الأجيال الجديدة أن تتعرف على ذلك اليوم وعلى معنى الاستقلال والأثمان الباهظة التي تحملتها الأجيال السابقة.
عيد الجلاء ويوم الاستقلال، ينبغي أن يكون أكبر وأعز علينا من أي إِحَنٍ سياسية وأيديولوجية أو حتى شخصية.









