شارك فيها العربى وغير العربى
كانت الهجرة النبوية الحدث الأعظم فى التاريخ الإسلامى ذلك لأنها خرجت بالإسلام من حصاره فى جبال مكة إلى العالمية بحيث يصل صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل مكان كما خرجت برسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أعدائه الذين يسعون بكل طاقتهم للقضاء عليه إلى حيث أحبابه المؤمنين به ورسالته ويفدونه بأرواحهم وبآبائهم وأمهاتهم وبكل ما يملكونه، كما خرجت من الفردية إلى الدولة المنظمة التى لها حاكم ودستور ونظام يسير أمورها ورجال يحمونها وعلاقات دولية.
ولأنها الحدث الأعظم فقد شارك فيها العربى وغير العربى والقرشى وغير القرشى فكان من رجالاتها صهيب الرومى الذى ترك ماله مقابل أن يتركوه يهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة وكان من رجالاتها بلال الحبشى الذى لاقى عذابا شديدا، كما كان من رجالاتها سلمان الفارسى الذى سعى إلى النور من أرض فارس باحثا عن الحق حتى وصل المدينة المنورة ينتظر النور حتى جاء إليه.
إذن شارك فى بناء هذا الدين ونصرة المؤمنين وليس ذوى القرابة حتى نعلم أن الرابطة الأقوى هى رابطة الدين وليس رابطة العصبية فأقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصبيته لم يأتوا له بالإيمان أو الأمان أو النصر لكن المؤمنين من أهل المدينة ومن هاجر معه جاءوا له بالعصبية التى تدافع وتحمى وتنشر تعاليم الدين.
لم يتوقف الأمر عند ذلك وإنما شاءت إرادة الله أن تجعل أكثر بناة هذا الدين وعلمائه و ناشريه من غير القرشيين بل من غير العرب فأكثر جامعى الحديث النبوى وأصحاب الصحاح من الكتب من غير المسلمين وكذلك المفسرون والفقهاء وغيرهم ممن حمل راية هذا الدين إلى آفاق الدنيا ذلك لأنه دين عالمى.
والمتأمل فى أحداثها وأحداث السيرة يدرك أن المسلم إذا استفرغ جهده واجتهد غاية طاقته ولجأ إلى ربه ليعذره تدخلت السماء بقدرتها وحولها وقوتها فقد استفرغ رسول الله جهده فى مكة فلم يجد نصيرًا وعذب المشركون المؤمنين به فلجأ إلى الطائف فلم يرفضوا دعوته فقط، وإنما أغروا به سفاءهم يرشقونه بالحجارة حتى أدموا قدميه فلما عاد إلى مكة مُنع من دخولها إلا فى حماية و جوار المطعم بن عدى فماذا كانت النتيجة ؟ جاءه إلى حيث يقيم من يؤمنون به بل يسارعون إلى الإيمان به ويعودون إلى قومهم يبشرونهم بمبعث الرسول الذى تتحدث به اليهود ويعودون إليه فى العام التالى ستة عشر رجلا يسألونه أن يرسل معهم من يعلمهم فيرسل معهم مصعب بن عمير يعلمهم فلم يبق بيت فى المدينة إلا ودخله الإسلام فكان الاستقبال العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فور وصوله إلى المدينة كأن الله يقول له إذا كان المكيون حاربوك وكادوا يقتلونك وإذا كان أهل الطائف أساءوا استقبالك فها هم المدنيون أنصار الله يتشوفون لمقدمك وينتظرونك الأيام والليالى ويستقبلونك بما يليق بك ويتنافسون على استضافتك وتشرق قلوبهم بهديك قبل أن يروك بل لا يستطيع شانئوك من اليهود ومشركى المدينة المجاهرة بعداوتك فيصانعونك وينافقونك هيبة وخوفًا.









