دفع الثمن نتيجة
تراجع احترام حدود القانون
فى أقل من أسبوع تابع المصريون حادثتين صادمتين بدتا مختلفتين فى المكان والتفاصيل، لكنهما حملتا رسالة واحدة تدعو إلى القلق.
فى قرية تفتيش أبوسكين التابعة لمركز الحامول بمحافظة كفر الشيخ، خرجت المهندسة حكمت الباز رئيسة الوحدة المحلية ضمن حملة رسمية لإزالة تعد على أرض زراعية. مهمة إدارية تتكرر يومياً فى عشرات المواقع، لكنها انتهت بمشهد لم يألفه المجتمع المصرى. فقد تعرضت لاعتداء باستخدام مادة قابلة للاشتعال أثناء أداء عملها، لتسقط مصابة بحروق استدعت نقلها على وجه السرعة إلى المستشفى. وبعد ساعات قليلة كان المهندس إبراهيم مكى محافظ كفر الشيخ يزورها للاطمئنان على حالتها الصحية، فيما تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهم واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقه.
فى مدينة السادس من أكتوبر كانت هناك «هدى» فتاة «جدعة» .. لم تكن طرفا فى خلاف ولم تكن تخوض معركة مع أحد، لكنها وجدت نفسها ضحية حادث مأساوى بعدما اصطدمت سيارة تقودها فتاة وبرفقتها صديقها.. خلال دقائق تحول يوم العمل العادى إلى نهاية مأساوية لفتاة خرجت فقط لتكسب قوت يومها. تجمع المواطنون حول موقع الحادث فى حالة من الغضب والذهول، بينما باشرت النيابة العامة التحقيقات وأصدرت قرارات بحبس المتهمين على ذمة القضية مع استكمال فحص جميع الملابسات.
قد يظن البعض أن الرابط بين الواقعتين ضعيف، لكن الحقيقة أن بينهما خيطا مشتركاً لا يمكن تجاهله.. ففى الحالتين هناك إنسان دفع الثمن نتيجة تراجع احترام حدود القانون والمسئولية.
المخيف فى واقعة أبوسكين ليس الجريمة وحدها، بل أن البعض حاول البحث لها عن مبررات. وكأن مخالفة البناء أو الخلاف مع قرار إزالة يمكن أن يبرر الاعتداء على موظفة عامة تؤدى واجبها. والحقيقة أن الدولة حين تنفذ قرارات إزالة التعديات لا تتحرك بدافع شخصى، وإنما تطبق القانون وتحمى ما تبقى من الرقعة الزراعية التى تمثل قضية أمن قومى قبل أن تكون مجرد أرض.
الأمر نفسه ينطبق على حادث أكتوبر. فالمأساة لم تبدأ لحظة الاصطدام، وإنما بدأت قبلها عندما يتصور البعض أن الطريق ملكية خاصة أو أن الاستهتار لن تكون له عواقب.
لا شك أن الناس تعيش ضغوطًا، لكن هذه الضغوط لا يمكن أن تكون مبرراً للعنف أو الاستهانة بحياة الآخرين، فهناك ملايين المصريين يواجهون الظروف نفسها كل يوم دون أن يعتدوا على أحد أو يتجاوزوا القانون.
وما يثير القلق أيضاً أن بعض النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعى لم تنشغل بإدانة الجريمة بقدر انشغالها بتبريرها. وكأننا أصبحنا نبحث عن أعذار للمخطئ بدلاً من الدفاع عن الضحية. وهذه الظاهرة ربما تكون أخطر من الحوادث نفسها، لأنها تكشف تراجعا تدريجيا فى الحس المجتمعى وفى القدرة على التمييز بين الحق والخطأ.
ما نحتاجه اليوم ليس فقط عقوبات رادعة، رغم أهميتها، وإنما استعادة احترام القانون وقيمة الإنسان،فحياة الناس لا يجب أن تكون ثمنا لتهور أو غضب أو شعور زائف بالحصانة، والقوة الحقيقية ليست فى فرض الإرادة أو تجاوز النظام، بل فى احترامه.








