أصدرت محكمة الجنايات المستأنفة – الدائرة الثانية إرهاب بوادي النطرون – حكماً قضائياً هاماً يُرسخ المبادئ القانونية في مكافحة المخدرات التخليقية (المستحدثة). وقضت المحكمة بخضوع المركبات الكيميائية المستحدثة للتجريم الجنائي، حتى وإن لم ترد أسماؤها صراحة وبشكل حرفي في جداول المخدرات، طالما ثبت علمياً اِنتماؤها إلى عائلة كيميائية مجرّمة.
صدر الحكم برئاسة المستشار الدكتور شوقي زكريا الصالحي، وعضوية المستشارين محمد عبد السلام القرش، وبسام فاروق عنتر.
وقائع الدعوى والحكم الابتدائي
تعود تفاصيل القضية إلى اتهام النيابة العامة لأحد المتهمين بإحراز مادة تسمى علمياً MDMB-4EN-PINACA ــ وهي أحد مشتقات مجموعة “الإندازول كربوكساميد” الكيميائية ــ في غير الأحوال المصرح بها قانوناً.
وكانت محكمة أول درجة قد قضت بمعاقبة المتهم بالحبس مع الشغل لمدة سنة وتغريمه عشرين ألف جنيه، وهو الحكم الذي طعن عليه المتهم بالاستئناف.
دفوع خط الدفاع
تأسس دفاع المتهم على عدة دفوع قانونية لإلغاء حكم الإدانة، تمثلت في:
- انتفاء التجريم: استناداً إلى أن المادة المضبوطة غير مدرجة باسمها الحرفي الصريح في جداول المخدرات الملحقة بالقانون، تفعيلاً لقاعدة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”.
- عدم الدستورية: التمسك بحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في فبراير 2026، والذي قضى بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء رقم 600 لسنة 2023.
- دفوع إجرائية: بطلان إجراءات القبض والتفتيش، وانتفاء جدية التحريات الأمنية.
أسباب رفض الدفوع والتأصيل القانوني للمحكمة
رفضت المحكمة الدفوع المبدأة من الدفاع، وأصّلت لحكمها استناداً إلى عدة ركائز قانونية وعلمية:
- سلامة قرارات وزير الصحة: أوضحت المحكمة أن حكم المحكمة الدستورية العليا لم يمس قرارات وزير الصحة السارية والمحصنة، وعلى رأسها القرار رقم 177 لسنة 2019، الذي أدرج مجموعة “الإندازول كربوكساميد” كعائلة كيميائية مجرمة، ونص صراحة على حظر كافة نظائرها، ومشتقاتها، وأملاحها.
- التصدي للتحايل الكيميائي: أكد الحكم أن عائلة “الإندازول كربوكساميد” هي المكون الأساسي لمخدرات تخليقية خطيرة مثل (الاستروكس والفودو)، مشيراً إلى أن المشرع واجه تحايل مصنعي هذه المواد (عبر تغيير جزيء كيميائي للإفلات من العقاب) بتعديل القانون بموجب القانون رقم 134 لسنة 2019 وإضافة المادة (1 مكرراً)، ليصبح التجريم ممتداً للنظائر والمشتقات بناءً على البنية الكيميائية والتأثير الدوائي.
- الحقيقة العلمية مُقدَّمة على التسمية الحرفية: شددت المحكمة على أن عدم ورود الاسم الحرفي للمادة المضبوطة
MDMB-4EN-PINACAلا ينفي عنها صفة المخدر، لأن العبرة بالتركيب العلمي، مؤكدة أن اشتراط إدراج كل مركب مستحدث باسمه يفرغ التشريع من مضمونه ويهدر غاية المشرع في حماية المجتمع. - نفاذ الاتفاقيات الدولية: أشارت المحكمة إلى أن الاتفاقيات الدولية لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية التي انضمت إليها مصر أصبحت جزءاً لا يتجزأ من القوانين الوطنية واجبة التطبيق.
منطوق الحكم النهائي
وتأسساً على ما تقدم، انتهت المحكمة في حكمها إلى:
«قبول الاستئناف شكلاً، وفي الموضوع بتعديل العقوبة المقضي بها، والاكتفاء بمعاقبة المتهم بالحبس مع الشغل لمدة ستة أشهر، وتغريمه عشرة آلاف جنيه، مع مصادرة المادة المخدرة المضبوطة».









