رجل الأعمال الأمريكى إيلون ماسك أغنى رجل فى العالم، والذى أصبح رسمياً أول «تريليونير» فى العالم، بحجم هائل من الثروة لم يسبق له مثيل فى تاريخ البشر والتجارة، كشف مؤخرا عن رؤية لشرائح دماغية قد تعيد البصر والنطق والحركة للمصابين، ووعد بأن المشلول سيمشى، والأعمى سيبصر، والأبكم سيتكلم، وفتح ماسك نقاشا حول مستقبل الإنسان مع التكنولوجيا المتقدمة.
رؤيته هذه لا تقتصر على تطوير تقنية طبية جديدة أو علاج لبعض الأمراض العصبية، بل تمتد إلى طرح رؤية فلسفية متكاملة حول مستقبل الإنسان نفسه والعلاقة بينه وبين التكنولوجيا، ماسك فى خطابه التكنولوجى الجديد أعلن عن إعادة تعريف الحدود بين الممكن والمستحيل، بتحدى الحدود البيولوجية للجسد البشرى، واعتبارها ليست نهائية، وإنما مشكلات تقنية قابلة للحل، فالجسد وفق رؤيته سيتجاوز قيوده البيولوجية ويتحول إلى منظومة يمكن إصلاحها، وتتحول الدماغ إلى شبكة يمكن تحديثها، والحواس إلى وظائف يمكن تعزيزها أو استبدالها.
نحن -وفق حديث ماسك- بصدد مرحلة جديدة من التعامل مع الإنسان والألة، مرحلة لا تنفصل عن الإنسان ولكنها تتجاوزه وتعتبره مرحلة، فالشرائح الدماغية ستعمل كجسر مباشر بين الدماغ والآلة، بحيث يصبح التواصل مع الحواسيب أوالأطراف الصناعية أوحتى الذكاء الاصطناعى عملية تتم عبر التفكير المباشر، وهذا ما يمكن أن نسميه مجازا «ما بعد الإنسانية»، إيلون ماسك يرى أن الأنظمة الذكية قد تتجاوز مستقبلا القدرة المعرفية للإنسان بشكل كبير، وهى رؤية ترى أن التطور التكنولوجى سيمكن البشر من تخطى حاجز الطبيعية، فالتكنولوجيا -وفق هذا التصور- ليست مجرد أدوات خارجية يستخدمها الإنسان، بل ستصبح جزءًا من بنيته الجسدية والعقلية.
يبدو أن ماسك ليس بمفرده يفكر فى هذا الاتجاه، فمعه أخرون، بل هناك من سبقه، حيث أفادت التقارير أن الصين وافقت على أول شريحة حاسوب دماغى فى العالم للاستخدام التجارى، متفوقةً بذلك على طرح إيلون ماسك، فقد اجتاز الجهاز الصينى، الذى يُطلق عليه اسم «نيو»، التجارب السريرية بنجاح، وهو جاهز الآن للإنتاج بكميات كبيرة لصالح نظام الرعاية الصحية الحكومى، وتم تحسين الإصدار الأول من الشريحة لتحسين الجهاز العصبى للمرضى الذين يعانون من إصابات الحبل الشوكى والشلل، ومع موافقة الصين على «نيو»، أصبحت بكين رائدة فى تسويق واجهات الحاسوب الدماغى.. وتختلف شريحة الدماغ الصينية عن شريحة ماسك فى جوانب التصميم والتقدم التنظيمى، إذ تستخدم الشريحة الصينية أسلوبًا أقل توغلاً حيث توضع مستشعراتها على الغشاء الواقى للدماغ، بينما تخترق غرسات شريحة ماسك أنسجة الدماغ بواسطة أقطاب كهربائية، ولا تزال قيد المراجعة التنظيمية فى الولايات المتحدة.
بعض الخبراء يبدون تفاءلا بالحديث عن أن رقائق الدماغ قد تُمكّن من التخاطر الرقمى والتحريك عن بُعد، بالإضافة إلى علاج حالات عقلية مختلفة كالاكتئاب والصرع والسكتة الدماغية ومرض باركنسون، فى حين يرى فريق آخر من العلماء أقل تفاءلا وأكثر قلقا أن هذه التقنية قد تُعرّض البيانات العصبية الحساسة للمتسللين، إذ يقول الدكتور ديفيد تافلى من جامعة جريفيث فى أستراليا: «قد تبدو زراعة الدماغ فكرةً كارثية، لكنها جزء واعد من أبحاث علم الأعصاب»، مضيفًا أنها قد تُتيح نظريًا الوصول إلى أفكار المرضى وذكرياتهم.. وفى حديثه فى مؤتمر «TED» فى شهر أبريل الماضى، قال سكوت فينيكس، المستثمر فى رأس المال المخاطر: «نحن على أعتاب تحول كبير، وهو اندماج البشر مع الذكاء الاصطناعى، وفى النهاية، لن تستطيع الصمود».
ماذا لو طبقت هذه الأفكار على البشر وأصبح بالإمكان تعزيز القدرات البشرية، هل سنكون أمام فجوة جديدة بين بشر «معززين تقنيًا» وآخرين غير قادرين على الوصول إلى هذه التقنيات؟ وهل سيظل الإنسان هو ذاته عندما يصبح جزء من وعيه وقدراته مرتبطًا بأنظمة رقمية وخوارزميات ذكية؟ ثم ماذا عن الخصوصية والسيادة على العقل البشرى، إذا أصبحت الأفكار والإشارات العصبية قابلة للقراءة أو التحليل أو التوجيه.
فى الأخير سنجد أنفسنا أمام بعض الأسئلة الوجودية: ما الجديد الذى ينتظر البشر فى عالم تهيمن عليه الآلات الذكية؟ ما الذى سيبقى من الإنسان عندما تصبح التكنولوجيا قادرة على إعادة تشكيل ذاكرته وإدراكه وحواسه وربما وعيه نفسه، لاشك أننا أمام تحد علمى وأخلاقى خطير فى زماننا، ونحن عالقون بين الرغبة فى التحرر من القيود البيولوجية والخوف من فقدان جوهر الطبيعة، والولوج إلى «ما بعد الإنسانية».









