5 ملفات تكشف كيف أنقذت «الثورة» حياة المواطن
إرادة الشعب حققها الجيش.. فصنعت مصر الإنجازات غير المسبوقة
الأرقام لا تكذب.. والإحصاءات لا تعرف المجاملة.. والتقارير البيانية لا تُجيد اختراع الأوهام.. فهى الشاهد الذى لا ينسى.. والوثيقة التى لا تنحاز.. والذاكرة التى لا تتغير.
والأرقام تسرد الحقائق المؤلمة التى عاشها كل مصرى قبل ثورة يونيو المجيدة.. الأرقام تشهد بأن ثورة يونيو مجيدةٌ خالدة بقدرتها على إنقاذ هذا الوطن من دمار يشد بعضه بعضًا.. لم يسلم قطاع.. ولم ينجُ ملف.. ولم يجد المصرى بصيص أمل يرفع روحه أو يشرق ظلام حياته لولا هذه الثورة..
وطنٌ عظيم ظل لعقود يتحمل.. يتألم دون انكسار.. يتعثر دون سقوط.. يدفع أثمان أخطاء تراكمت.. وفساد تفشى بين أبنائه.. ويقاوم آثار سنوات من التباطؤ والتراجع.. حتى جاءت أحداث يناير ومن ثم وصول الجماعة الإرهابية للحكم..
جماعة الإخوان وضعت مخططها ونجحت فيه.. خلال عام مؤسسات الدولة تتآكل.. الخدمات تتراجع.. الاقتصاد يترنح.. والخوف يتسلل إلى البيوت من غدٍ لا ملامح له..
أرقام ما قبل يونيو سوداء قاتمة مؤلمة محزنة تثير الشفقة على وطن بحجم مصر أن تمر عليه هذه اللحظات.. وعلى مواطن مصرى ذاق هذا المرار من «جماعة من بشر» خلقوا من طين ملوث بالإرهاب والخراب والدمار. وحين اقترب الوطن من حافةٍ الهاوية ونقطة اللارجوع.. انتفض شعبٌ أبى له يقين فى مصير يليق به.. والمصريون بأيديهم أنقذوا مصرهم وحوَّلوا مصيرهم.. فمن الشعب جيش يحميه ويحقق إرادته وينفذ رغبته.. من الشعب رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الوطن عليه فكانت اللحظة الخالدة وتظل الأرقام شاهدة على التحول من الألم الأمل.. ومن التقويم إلى السيادة.. وتجيب عن سؤال قد يعن إلى البعض ماذا لو لم تكن ثورة يونيو؟.
فى 2012 و2013، دخلت مصر أزمة صحية عنيفة لم تقتصر على النقص الحاد فى عدد المستشفيات أو العجز الشديد فى الأدوية، بل كانت صورة مؤلمة لواقع جماعة أنهكت الدولة وعذبت المواطنين .. فيروس وبائى يزداد انتشارا كل يوم، قوائم انتظار لعمليات حرجة، نظام تأمين صحى مجزأ، ضغط على المستشفيات لاسيما مع جرائم العنف والإرهاب وانشغال القطاع الصحى بها، إلى جانب نقص الإمدادات الأساسية.
كان فيروس «سى» هو الرقم الأفدح.. فى 2013، كانت مصر من أعلى دول العالم فى انتشار الفيروس، مع تقديرات علمية تقارب 14.7 ٪ من السكان.. لا يوجد مشروع دولة واضح وقتها ولا خدمات صحية كافية وملايين مهددون بتليف الكبد والسرطان، وعلاج باهظ، ومنظومة صحية عاجزة عن الوصول المبكر للمرضى.
كانت قوائم الانتظار وجهًا آخر للأزمة.. المريض الفقير لا ينتظر خدمة عادية، بل ينتظر قسطرة، أو قلب مفتوح، أو مفصلاً، أو جراحة أورام، أو تدخلاً عاجلاً قد يحدد حياته.
وتكشف أرقام وزارة الصحة وقتها عن قسوة المشهد.. كان لدى مستشفيات الوزارة 2639 حضانة صالحة للاستخدام، و391 حضانة تحت الإصلاح، بينما كان المطلوب للوصول إلى المعدلات العالمية 3833 حضانة، فى وقت كان يولد فيه نحو 280 ألف طفل مبتسر سنويًا، يتوفى منهم قرابة 100 ألف لأسباب مرتبطة بنقص الحضانات والكوادر والأجهزة.
دخل الأطباء فى إضراب واسع مطالبين برفع مخصصات الصحة من 5 ٪ إلى 15 ٪، ورصدت تقارير مختلفة أن عيادات خارجية كثيرة توقفت، وأن المستشفيات كانت تعانى «عجزًا كارثيًا» فى المعدات الطبية الأساسية.
لو لم تقم ثورة يونيو كان المرض سيبقى أوسع من قدرة الدولة، وقوائم الانتظار أطول من عمر المرضى، وفيروس سى كان يظل جرحًا مفتوحًا فى جسد المصريين، والتأمين الصحى يبقى حلمًا مستحيلاً.. الدولة التى تُختطف لا تستطيع أن تفحص عشرات الملايين، ولا أن تعالج الملايين مجانًا، ولا أن تبنى نظامًا علاجيًا شاملاً.
بعد 30 يونيو، تغير الاتجاه تماما فى فيروس سى، فحصت الدولة أكثر من 60 مليون مواطن ضمن حملة 100 مليون صحة، وعالجت أكثر من 4 ملايين مريض، حتى أصبحت مصر فى 2023 أول دولة تحصل على إشادة منظمة الصحة العالمية بالمستوى الذهبى فى مسار القضاء على فيروس سى.
وفى قوائم الانتظار، أجرت الدولة أكثر من 2.8 مليون عملية جراحية ضمن المبادرة الرئاسية، ثم تجاوز الرقم 3 ملايين عملية، بما يعنى أن الدولة نقلت المريض من طابور الانتظار إلى غرفة العمليات لتنقذ حياته.. إلى جانب العديد من المبادرات الرئاسية بالكشف عن الأمراض غير السارية وعلاج العيون وعلاج الأطفال الحماية من التقدم.
بل بدأ تطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل بعد قانون 2018، باعتباره تحولاً من نظام مجزأ إلى نظام قائم على التغطية الشاملة والتكافل، مع تحمل الدولة أعباء غير القادرين.
وفى البنية الطبية، زادت قدرات الرعاية الحرجة، فبحلول 2025 وصل عدد أسرة الرعاية إلى نحو 9,988 سرير، وارتفع عدد الحضانات إلى 4,590 حضانة.. كما توسعت المستشفيات الجامعية، وارتفع عددها من 88 مستشفى إلى أكثر من 120 مستشفى خلال السنوات التالية، ثم إلى 145 مستشفى.
التعليم
مصر جاءت الأخيرة عالميًا فى التعليم الأساسى قبل ثورة يونيو..فتقرير التنافسية العالمية وضع مصر فى المركز 148 من 148 دولة فى جودة التعليم .. وقت 30 يونيو تقريبًا، كان عدد مدارس التعليم قبل الجامعى دون الأزهر، نحو 49.4 ألف مدرسة.. هذا الرقم يعكس بنية تعليمية غير قادرة على ملاحقة الزيادة السكانية، خاصة مع ارتفاع الكثافات فى عدد كبير من الفصول، وتراجع قدرة المدرسة الحكومية فى بعض المناطق على أداء دورها الطبيعى.. وفى العام نفسه تقريبًا، كان معدل التسرب فى المرحلة الابتدائية يدور حول 0.56 ٪، بينما كان التسرب فى المرحلة الإعدادية أكثر خطورة، إذ بلغ نحو 4.47 ٪، وهو رقم لا يعنى خروج طفل من المدرسة فقط، بل يعنى بداية محتملة لدائرة فقر وأمية وعمالة مبكرة وجريمة.
ولو استمر مسار الاضطراب السياسى والاقتصادى بعد 2013، كان المتوقع أن تتفاقم الأزمة.. لذلك فإن الدولة المصرية بعد الثورة بدأت تتحرك فى الاتجاه الأصعب.. بناء فصول ومدارس جديدة، وليس الاكتفاء بتغيير الشكل.. تشير الأرقام إلى أن عدد مدارس التعليم قبل الجامعى، دون الأزهر، وصل إلى نحو 60.3 ألف مدرسة عام 2022/2023، كما جرى تنفيذ آلاف المشروعات التعليمية وإضافة عشرات الآلاف من الفصول، فى محاولة مباشرة لكسر أزمة الكثافة التى تراكمت عبر سنوات طويلة.
وتكشف الأرقام الأحدث أن التوسع لم يتوقف عند التعليم العام فقط، بل شمل التعليم العام والأزهرى معًا؛ إذ وصل إجمالى عدد المدارس بالتعليم العام والأزهرى إلى نحو 73.2 ألف مدرسة عام 2023/2024 ، كما ارتفع عدد الطلاب إلى 28.5 مليون طالب.
الأثر ظهر فى مؤشرات التسرب.. فقد انخفض التسرب فى المرحلة الابتدائية من نحو 0.56 ٪ إلى نحو 0.23 ٪ عام 2021/2022، كما انخفض فى المرحلة الإعدادية من نحو 4.47 ٪ إلى نحو 1.73 ٪ خلال الفترة نفسها. وهذه ليست مجرد أرقام تعليمية، بل مؤشرات اجتماعية لها دلالة كبرى.
المشروعات شملت تطوير المناهج وآلياتها لذا فى 2023 قفزت مصر المركز 37 عالميًا فى مؤشر جودة التعليم (U.S. News Education Ranking)، وفى 2024وصلا فى مؤشر التعليم الفنى إلى المركز 46 من 133، ووصلت إلى المركز 32 عالميًا فى بيئة التعلم بالتعليم الفنى والعالى ضمن مؤشر المعرفة العالمى 2025.
الجامعات والبحث العلمى
كانت خريطة التعليم العالى محدودة ومضغوطة.. بيانات CAPMAS تقول إن عدد المقيدين بالتعليم العالى كان 2.25 مليون طالب فى 2012/2013، ثم 2.34 مليون طالب فى 2013/2014. وكانت الجامعات الحكومية والأزهر 24 جامعة فقط، والجامعات الخاصة 19 جامعة فقط..ترتيب التعليم العالى والتدريب كان متأخرًا جدًا ففى تقرير التنافسية العالمية جاءت مصر فى المركز 118 من 148 دولة.
وعلى مستوى التمويل، تكشف موازنة 2012/2013 أن مخصصات التعليم العالى كانت نحو 2.9 مليار جنيه، ضمن إجمالى مصروفات عامة بلغ 533.7 مليار جنيه، بينما كان إجمالى ما خُصص للتربية والتعليم والبحث العلمى والتعليم العالى محدودًا للغاية مقارنة بحجم الأزمةوتكشف إن منظومة التعليم لم تكن فى حسبان الجماعةالإرهابية.
البيئة الجامعية لم تكن تعانى من الإهمال فقط بل أصابتها إضطرابات أمنية خطيرة صنعتها جماعة الإخوان الإرهابية بإحداث حالة استقطاب حاد بين الطلاب مستغلة حداثة السن أو ضحالة المتابعة.. حدثت موجة اضطراب منظمة استهدفت تحويل الحرم الجامعى من مساحة علم إلى ساحة صدام.. 1677 احتجاجًا طلابيًا فى فصل دراسى واحد داخل الجامعات الحكومية، مع تركز الأحداث فى الأزهر والقاهرة وعين شمس والإسكندرية.. إلى جانب تعطيل امتحانات، واقتحام كليات، وإشعال منشآت، واشتباكات داخل الحرم.. فى جامعة القاهرة وحدها، تحدثت تقارير منشورة عن وفاة 7 طلاب بخلاف المصابين.
أما فى التصنيف الدولى، فالصورة كانت أضعف..لا يظهر اسم أى جامعة مصرية ضمن أفضل 200 جامعة عالميًا فى تصنيف QS لعامى 2012 و2013.
لو لم تقم 30 يونيو كانت الجامعة ستظل محاصرة بين اضطراب سياسى، وتمويل محدود، وخريطة جامعية لا تكفى ملايين الطلاب، وحضور دولى ضعيف. الدولة التى تُختطف لا تبنى جامعة للمستقبل.
أولت 30 يونيو، اهتمامًا بالغًا بالجامعات والبحث العلمى فلم تقتصر على تأمين المنظومة وضمان استقرارها بل ارتفع عدد الجامعات إلى نحو 109 جامعات بحلول 2024 ليصل الآن إلى نحو 125 جامعة حكومية وخاصة وأهلية وفى التمويل بلغت مخصصات التعليم العالى والجامعى فى موازنة 2024/2025 نحو 293 مليار جنيه، ضمن إنفاق تعليمى إجمالى بلغ 25.8 ٪ من إجمالى الإنفاق العام.
كانت النتيجة أن ارتفع عدد المقيدين بالتعليم العالى إلى نحو 3.8 مليون طالب فى 2023/2024.. وفى 2026 دخلت 21 جامعة مصرية تصنيف QS حسب التخصصات فى 42 تخصصًا، بينها مراكز ضمن أفضل 50 وأفضل 100 عالميًا.. ودخلت 29 جامعة مصرية فى تصنيف Times Higher Education العالمى 2026.
الزراعة والأمن الغذائى
قبل ثورة يونيو لم تكن أزمة الزراعة فى مصر مقتصرة على نقص الإنتاج، بل كانت أزمة أرض وغذاء وسيطرة دولة.. المساحة المنزرعة تراجعت من 8.95 مليون فدان إلى 8.92 مليون فدان بسبب تفشى ظاهرة التعدى على الأراضى الزراعية.. ففى عام 2012 وحده، سجلت التعديات على الأراضى الزراعية نحو 365.3 ألف حالة على مساحة 15.5 ألف فدان وهو أعلى معدل تعدى فى تاريخ مصر.
الأخطر كان فى الاستصلاح.. فى عام 2012/2013، بلغت مساحة الأراضى المستصلحة 22.9 ألف فدان فقط، مقابل 39 ألف فدان فى العام السابق، بانخفاض 41.3 ٪.. فمشروع إضافة أرض جديدة كان يتراجع فى لحظة كانت مصر فيها تحتاج كل فدان.
أما القمح، قلب الأمن الغذائى المصرى، فقد بلغ إنتاجه فى 2012/2013 نحو 9.5 إلى 9.66 مليون طن، من مساحة تقارب 3.33 مليون فدان.. فى حين الاستهلاك كان يدور حول 19 مليون طن تقريبًا. معنى ذلك أن مصر كانت تنتج نصف احتياجها تقريبًا، وتبقى رهينة الاستيراد فى أهم سلعة غذائية.
وتظهر هشاشة المرحلة أكثر فى التخزين.. قبل مشروع الصوامع، كانت منظومة تخزين القمح محدودة، ووصل عدد الصوامع فى 2014 إلى 32 صومعة فقط والأهم أنها صوامع غير آمنة.. مخزون القمح فى مارس 2013 كان يكفى 89يومًا فقط، وفى تقرير رسمى نقلته رويترز أشار إلى أن المخزون الإستراتيجى من القمح بلغ 2.207 مليون طن فقط، يكفى نحو 89 يومًا.
لو لم تقم 30 يونيو كانت مصر ستبقى بين فدان يُفقد، وأرض لا تُستصلح، وقمح لا يكفى، وصوامع لا تحمى المخزون، وزراعة لا تتحول إلى قوة تصديرية.
بعد 30 يونيو، المساحة المنزرعة تجاوزت الـ 11 مليون فدان فى 2026 والمساحة المحصولية بلغت 19.8 مليون فدان.. وارتفع عدد الصوامع إلى 83 صومعة.. ومخزون القمح الإستراتيجى فى 2026 تجاوز الستة أشهر.
وصل إنتاج الأسماك إلى نحو 2 مليون طن فى 2023. وقفزت الصادرات الزراعية إلى 9.5 مليون طن فى 2025، بقيمة إجمالية للطازج والمصنع بلغت نحو 11.5 مليار دولار.
وفى قيمة الإنتاج، كانت قيمة الإنتاج الزراعى 282.4 مليار جنيه عام 2012/2013، كان الإنتاج النباتى يمثل 58.4 ٪ منها، أى نحو 165 مليار جنيه تقريبًا.. وفى 2023/2024، بلغت قيمة الإنتاج الزراعى 2302.5 مليار جنيه، وكان الإنتاج النباتى يمثل 56.91 ٪، أى نحو 1.31 تريليون جنيه تقريبًا.
30 يونيو لم تنقذ الأرض من الفوضى فقط، بل أعادت للزراعة مشروع متكامل.
المياه والرى
لو أردنا أن نعرف ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم تقم ثورة 30 يونيو، فلننظر إلى ملف المياه.. مصر دولة تعيش على حصة ثابتة من مياه النيل قدرها 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، بينما السكان يزيدون، والزراعة تتمدد، والقرى تحتاج إلى مياه شرب وصرف صحى، والفجوة المائية تضغط على كل بيت وكل فدان.
وقت 30 يونيو تقريبًا، كانت الأزمة قاسية.. فى 2013 بلغت كمية مياه الرى المستخدمة عند الحقل نحو 37.8 مليار متر مكعب، وعند أفمام الترع نحو 43 مليار متر مكعب، وعند أسوان نحو 46 مليار متر مكعب.. بمعنى أن شبكة الرى القديمة جعلت الفاقد أكثر من 20 ٪.
والأزمة لم تكن فى الرى وحده، بل فى الصرف الصحى.. ففى 2014، كانت تغطية الصرف الصحى فى الريف المصرى لا تتجاوز 12 ٪ فقط.. وبعدها كشف مسح خصائص الريف أن نحو 75 ٪ من القرى لم تكن بها شبكة صرف صحى. لو لم تقم 30 يونيو؟ كانت الفجوة المائية ستكبر بلا مشروع دولة.. الترع القديمة كانت ستواصل نزيفها.. القرى المحرومة من الصرف كانت ستظل محاصرة بمشكلات صحية وبيئية.. والدولة التى تُختطف سياسيًا لا تستطيع أن تدير كل قطرة، ولا أن تنفذ آلاف المشروعات، ولا أن تدخل فى سباق مع الزمن لحماية أمنها المائى.
العجز المائى لم يختفِ حتى اليوم، وهذه هى الحقيقة التى تجعل الإنجاز أكثر أهمية فاحتياجات مصر المائية تُقدر بنحو 114 مليار متر مكعب سنويًا، بينما الموارد المتاحة نحو 60 مليار متر مكعب فقط.. الفجوة ما زالت قائمة، لكن الفارق بعد 30 يونيو أن الدولة لم تترك العجز يتحول إلى انهيار، بل بدأت تديره بمشروعات كبرى إعادة استخدام نحو 21 مليار متر مكعب سنويًا، وتحسين كفاءة الرى، وتأهيل الترع، وتوسيع المعالجة، وتحسين خدمات الشرب والصرف.
ظهرت مشروعات تمثل ضرورة وجودية أبرزها محطة بحر البقر بطاقة 5.6 مليون متر مكعب يوميًا، ومحطة المحسمة بطاقة مليون متر مكعب يوميًا، ومحطة الدلتا الجديدة بطاقة 7.5 مليون متر مكعب يوميًا، وكلها تعنى أن الدولة لم تعد تتعامل مع المياه باعتبارها موردًا يُستهلك مرة واحدة، بل موردًا يُدار ويُعاد تدويره لتعويض جانب من الفجوة.
أما فى مياه الشرب والصرف الصحى، فالأرقام أوضح من أى خطاب.. منذ 2014 وحتى 2025، تم تنفيذ نحو 5100 مشروع لمياه الشرب والصرف الصحى بتكلفة تقارب 726 مليار جنيه. وارتفعت تغطية مياه الشرب على مستوى الجمهوريةإلى 99 ٪ عام 2025.. ووصل عدد محطات مياه الشرب إلى نحو 3188 محطة، تنتج حوالى 30.7 مليون متر مكعب يوميًا، مع شبكات تمتد لنحو 181 ألف كيلومتر.
وفى الصرف الصحى، ارتفعت تغطية الحضر إلى 96 ٪ عام 2025، وقفزت تغطية الريف من 12 ٪ إلى نحو 60 ٪. ووصل عدد محطات معالجة الصرف الصحى إلى أكثر من 600 محطة، بطاقة تصميمية تقارب 18.9 مليون متر مكعب يوميًا، مع شبكات صرف صحى تمتد لنحو 92 ألف كيلومتر.
وفى 2025/2026، لم يتوقف الإنفاق على القطاع؛ إذ تشير بيانات التخطيط إلى توجيه نحو 77 مليار جنيه من الاستثمارات العامة لقطاع مرافق مياه الشرب والصرف الصحى، ما يعنى أن الملف لا يزال مفتوحًا باعتباره معركة مستمرة، لا إنجازًا منتهيًا.
الكهرباء
البيوت كانت تغرق فى الظلام، المصانع تتعطل، المحال تخسر، المستشفيات تخاف من انقطاع مفاجئ، والمواطن كان ينتظر الكهرباء كما ينتظر الخدمة النادرة.
كان المشهد قاسيًا.. شبكة عاجزة، أحمال تتزايد، وقود غير كافٍ، ومحطات لا تلاحق الطلب.. ومع بداية 2014 وصل عجز الطاقة إلى نحو 6000 ميجاوات.
أما ساعات الانقطاع، فقد وصلت فى تقديرات وتقارير منشورة إلى نحو 6 ساعات يوميًا فى القاهرة، وقرابة 12 ساعة فى بعض مناطق الصعيد، بينما رصدت وقائع محلية انقطاعًا متكررًا لعدة ساعات فى اليوم الواحد.
الأزمة دخلت المستشفيات.. ففى مايو 2013، انقطعت الكهرباء عن 10 أطفال حديثى الولادة داخل حضانات مستشفى سيدى سالم بكفر الشيخ، وتوقفت ماكينات الغسيل الكلوى، وتم نقل الأطفال إلى حضانات أخرى، مع احتراق أجهزة طبية داخل الحضانات وغرفة العمليات.. هذه حالة من حالات عديدة.
المشكلة الحقيقية أن الأزمة لم تكن لتتوقف عند هذا الحد بل كانت ستزداد سوءا وكارثية يوما بعد الآخر.. لماذا؟ لأن الحمل الأقصى فى هذه الأزمة كان 26.1 ألف ميجاوات عام 2013/2014 وارتفع إلى 36.8 ألف ميجاوات عام 2023/2024 بسبب عوامل عديدة أبرزها الزيادة السكانية.. لو لم تقم ثورة يونيو؟! من له أن يحل هذه الإشكالية ورئيس الجماعة الإرهابية فى 2012 قال أن الانقطاعات «اضطرارية» ولا حل غير الطرق البدائية فى الترشيد!
بعد 30 يونيو، انتقلت مصر من عجز يقارب 6000 ميجاوات إلى فائض بلغ نحو 13 ألف ميجاوات فى 2019/2020، ثم إلى فائض يقترب من 20 ألف ميجاوات فى 2025. وارتفعت القدرة المركبة من نحو 27.6 جيجاوات عام 2014 إلى أكثر من 60 جيجاوات عام 2023.
ولم يكن التحول فى التوليد فقط. .الدولة ضخت استثمارات ضخمة فى الإنتاج والنقل والتوزيع، وصلت إلى نحو 965 مليار جنيه خلال الفترة من 2014 إلى 2024.. لم تعد الزيادة فى الطلب تعنى عجزًا، لأن القدرة الاسمية للشبكة أصبحت أكبر من الاحتياج، بل واتجهت الدولة لتكون مركز إقليمى للطاقة واستطاعت التوسع فى المشاريع الصناعية الكبرى.
وتستكمل «الجمهورية» فى الحلقة التالية احصائيات وأرقام خمسة ملفات تكشف مسيرة ثورة يونيو فى إنقاذ الوطن والمواطن..









