لم تعد المنافسة الاقتصادية العالمية تقتصر على حجم الإنتاج أو وفرة الموارد التقليدية، بل أصبحت ترتبط بشكل متزايد بقدرة الدول على بناء صناعات نظيفة ومستدامة قادرة على تلبية متطلبات المستقبل. وفي هذا السياق، تبرز مصر اليوم كأحد أهم اللاعبين الإقليميين في سباق الصناعة النظيفة، بعدما تصدرت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث عدد المشروعات المخطط تنفيذها، بإجمالي 25 مشروعًا وفرص استثمارية محتملة تتجاوز 108 مليارات دولار.
هذا التقدم لا يمثل مجرد نجاح استثماري، بل يعكس رؤية استراتيجية بدأت ملامحها تتشكل خلال السنوات الأخيرة، عبر التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، وتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والاستثمار في الهيدروجين والأمونيا الخضراء، فضلاً عن تعزيز البنية التحتية القادرة على استيعاب الصناعات الجديدة منخفضة الانبعاثات.
العالم يشهد اليوم تحولاً عميقاً نحو الاقتصاد الأخضر. فاضطرابات أسواق الطاقة، وتقلبات سلاسل الإمداد، والتحديات المناخية المتزايدة دفعت الحكومات والشركات إلى البحث عن نماذج إنتاج أكثر استدامة وأقل اعتماداً على الوقود الأحفوري. ومن هنا أصبحت الصناعات النظيفة، مثل الوقود المستدام للطيران والأمونيا الخضراء والصلب منخفض الانبعاثات، محوراً رئيسياً للاستثمارات العالمية.
وتتمتع مصر بمجموعة من المزايا التنافسية التي تؤهلها للاستفادة من هذا التحول التاريخي. فموقعها الجغرافي الفريد على أحد أهم الممرات التجارية في العالم يمنحها فرصة للتحول إلى مركز إقليمي وعالمي لتصدير المنتجات الصناعية النظيفة. كما أن توافر مصادر الطاقة الشمسية والرياح بأسعار تنافسية يوفر قاعدة قوية لإنتاج الطاقة النظيفة اللازمة لهذه الصناعات.
اللافت أن مصر لم تكتفِ بالمشاركة في هذا السباق، بل أصبحت ضمن أكبر عشر دول عالمياً من حيث عدد مشروعات الصناعة النظيفة المخطط تنفيذها. وهذا التصنيف يحمل دلالات مهمة، أبرزها أن المستثمرين العالميين باتوا ينظرون إلى السوق المصرية باعتبارها منصة واعدة للنمو طويل الأجل في القطاعات الصناعية المستقبلية.
لكن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب مواصلة العمل على عدة مسارات متوازية، في مقدمتها تسريع الإجراءات الاستثمارية، وتوفير حوافز إضافية للمشروعات الخضراء، وتعميق التصنيع المحلي للمكونات والتقنيات المرتبطة بالطاقة النظيفة، بما يضمن تحقيق أكبر قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
إن الفرصة المتاحة أمام مصر اليوم تتجاوز مجرد جذب استثمارات بمليارات الدولارات، فهي فرصة لبناء قاعدة صناعية حديثة قادرة على توفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتعزيز الأمن الاقتصادي، وترسيخ مكانة الدولة كمركز إقليمي للصناعات النظيفة. وإذا أحسنت مصر استثمار هذه اللحظة التاريخية، فقد تصبح خلال السنوات المقبلة إحدى أهم القوى الصناعية الخضراء ليس فقط في الشرق الأوسط، بل على مستوى العالم.









