لاشك أن الولايات المتحدة خسرت كثيراً بعد أن ورطتها إسرائيل فى الحرب مع إيران، وستخرج منها جريحة فقدت الكثير من الهيبة والمكاسب والمصداقية، إضافة إلى الخسائر العسكرية والسياسية والاقتصادية، واهتزاز عرش الهيمنة والقطب الأوحد من تحت أقدام الولايات المتحدة وبات أو دخل العالم بالفعل إلى تعدد القطبية، بل باتت الفرصة سانحة للقوى الإقليمية الكبرى فى الشرق الأوسط إذا أدارت نتائج الحرب بذكاء أن تكون أحد أطراف القطبية العالمية المتعددة.
قلنا إن الاتفاق بين واشنطن وطهران لا يصب فى مصلحة الإدارة الأمريكية على الإطلاق واعتبرت أن الحرب أصبحت مأزقاً ومستنقعاً أمريكياً آثرت الولايات المتحدة الخروج منه بتنازلات لم يتوقعها أحد، ولم يتوقع أحد خسارة أمريكا فى هذه المواجهة أو الورطة التى تسبب فيها نتنياهو، والتى أصابت العلاقة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلى المتطرف بفجوة عميقة، ولن نعيد أسباب ذلك فقد سردتها فى مقالات سابقة لكن السؤال، ومع الاتفاق أن إيران خرجت رابحة ليس بمعنى النصر العسكرى بمفهومه التقليدى ولكن فى قدر الصمود، والندية، والألم الذى سببته للولايات المتحدة وإسرائيل، وإصرارها وتمسكها بشروطها فى لحظة استبياع وإدراك للمأزق الأمريكى فى الداخل والخارج فى الإقليم والعالم، نعود للسؤال إذا كانت إيران خرجت بهذه الصورة التى تشبه أجواء النصر، وهو ما يفسره ويوضحه نص الاتفاق أو مذكرة التفاهم كيف ستدير إيران سياساتها عقب الاتفاق وإنهاء الحرب، هل ستظل فى حالة استهداف وأطماع فى دول الجوار، هل ستتمادى فى التدخل فى شئون بعض الدول الداخلية، وكيف ستنزع فتيل الخطر الذى تسببه أذرعها فى المنطقة وتأثيرها على أحوال الدول الموجودة منها وماذا عن مصير هذه الأذرع أو الجماعات أو الأحزاب والفصائل الموالية لطهران داخل هذه الدول، هل ستدير سياساتها بحكمة ورشد ووضوح إلى فتح صفحات جديدة ترتكز على علاقات حسن الجوار والتعاون واحترام السيادة وتغيير الخطاب الذى تبناه النظام الإيرانى على مدار العقود الماضية؟ وهل يشعر النظام الإيرانى عقب الخروج بسلام من الحرب الصهيو ـ أمريكية بالغطرسة ومحاولات توسع النفوذ، أم إلى لغة الحكمة والعقل؟، هل تتفرغ إيران لمعالجة أزمات ومصاعب الداخل، والعمل من أجل الشعب وتعويضه عن سنوات الجفاف خاصة أن نوافذ الفرج الاقتصادى تلوح فى الأفق سواء فى الإفراج عن الأرصدة والأموال المجمدة، والسماح بتصدير النفط وتخفيف العقوبات، والتعويضات المنتظرة والتى يروج لها البعض بأنها قد تصل إلى 300 مليار دولار.. هل بات النظام الإيرانى يؤمن أن سر العبور الآمن من الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية، هو تماسك وصمود الشعب الإيراني، وهل يتم التركيز على بناء المستقبل والاقتصاد، وتبنى علاقات إقليمية ودولية بعيداً عن الأيديولوجيات المسمومة التى أضرت أكثر مما نفعت، والسؤال للجميع هل يمكن تجاهل النعرات الطائفية والأيديولوجية وتقسيم الدول الإسلامية إلى سنية وشيعية، خاصة أن الدول تبنى علاقاتها بعيداً عن هذه النعرات، وهناك دول إسلامية وعربية كثيرة علاقاتها مع دول كبرى قد لا تؤمن بوجود الأديان، فقد كان التقسيم على أساس السنة والشيعة تدبيراً خارجياً من قوى الشر والتقسيم، هل تدخل إيران فى التحالف الإقليمى الذى يقف أو يشكل صخرة أمام المخطط الصهيونى الذى أجزم أنه فشل بعد كل الحروب التى شنتها إسرائيل وكشفت عجزها وعدم قدرتها على تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد أو إسرائيل الكبري، ولا تقوى على تنفيذه لا عسكرياً أو بشرياً أو فكرياً فى ظل ما تعرض له العمق الإسرائيلى من ضربات مؤلمة ومدمرة لإعدام القدرة والبقاء فى الأراضى التى تزعم احتلالها، وهو الدرس الذى تولد بعد العدوان الإجرامى الإسرائيلى على قطاع غزة ثم الحرب «الصهيو ـ أمريكية» على إيران؟
أجزم أن إيران فى حاجة إلى عقل رشيد يتميز بالنظرة المستقبلية والبعد الإستراتيجى فليس من مصلحة طهران معاداة أو خسارة دول الجوار أو دول المنطقة، بل فى أمس الحاجة إلى مد يد التعاون والتكامل والتقارب وحسن الجوار والتنازل عن أوهام قديمة، وعدائيات مصنوعة.
خرجت إيران بسلام، ربما تنتابها حالة من الغطرسة والغرور بعد الاتفاق الذى كشف حجم الأزمة الأمريكية عقب الحرب، لذلك أتوقع ألا يحدث ذلك فى السلوك الإيرانى المتوقع، وظنى أنها ستفتح صفحات جديدة وهى المستفيد وهناك من يظن بعد أن مالت كفة الفوز لإيران أن تمارس سياسات متغطرسة وتصفية حسابات مع دول الجوار أو دول المنطقة، لكننى لا أتوقع ذلك والعكس سيكون صحيحاً، طهران سوف تدرك أن دول الجوار والمنطقة رفضت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية، ولم تشارك فيها وأنها ليست طرفاً فى دوافعها وأسبابها وهو عين الصواب، وإيران قادرة على أن تساهم فى تحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة، ومد جسور البناء والتنمية والتعاون والاستثمار، وأرى أن هناك تقارباً بين إيران دول تتسم سياساتها بالحكمة والتسويات السياسية، وترسيخ التعاون وعدم المساس بالسيادة واحترام الدول وشئونها الداخلية.
السؤال الذى سيفرضه الاتفاق الأمريكى الإيراني، وانتهاء الحرب، كيف ستدير إيران سياساتها وسلوكها عقب تحقيقها لا أريد القول للنصر، ولكن الخروج بمكاسب، وفشل الأهداف الصهيو ـ أمريكية والصمود الإيراني، هذا ما يجب أن نبحثه ونعمل عليه ـ خاصة أن أمن واستقرار المنطقة هو مسئولية دولها، ولعل الموقف الرافض من القوى الكبرى فى المنطقة والشرق الأوسط للحرب أحد أهم الأسباب لإيقافها، وتوقيع الاتفاق خاصة الدولة المصرية.
ختاماً.. الاتفاق وانتهاء الحرب هو شهادة لصحة وصواب رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى قال منذ الساعات الأولى للحرب إنها جاءت بسبب تقديرات خاطئة، وأيضاً حرصه على عدم تورط الأشقاء فيها، وأنها لا تخدم مصالحهم وأمنهم، وعمل على ترسيخ قناعاتهم، بضبط النفس والصبر، لأن هناك من يريد إقحامهم وتوريطهم.. وأيضاً رؤية مصر فى أن الحوار والتفاوض والحلول السياسية هى أفضل طريق للأمن والاستقرار وتحقيق أهداف التعاون والبناء. ومصلحة الشعوب.









