قبل ساعات من انطلاق امتحانات الثانوية العامة، لم يكن المشهد الأبرز داخل الكنترولات هو صناديق الأسئلة المؤمنة، أو تجهيز 2032 لجنة.. بل طوابير طويلة لمئات المعلمين يحملون ملفات ورقية، وينتظرون دورهم لتقديم طلبات الاعتذار عن عدم المشاركة في أعمال الامتحانات.
مشهد يتكرر سنوياً على مدار ثلاثة أيام سابقة لبدء امتحانات الثانوية العامة، مشاهد تملؤها أحياناً احتجاجات ومحاولات للبحث عن «واسطة» لاستثناء.. حالات لا تنطبق عليها الشروط القانونية، في مقابل أعداد أقل نسبياً راغبة في العمل.
الواقع أن هذه المشاهد تجعلنا في حالة إشفاق حقيقي على الإدارة العامة للامتحانات وقيادات الكنترولات ولجان النظام والمراقبة، بقيادة الرجل المتمرس خالد عبد الحكم، التي تبذل جهداً غير طبيعي لتحقيق الانضباط في أعمال الامتحانات وبين تحقيق رغبات آلاف المعلمين.
فالرجل الذي يقود أكبر منظومة امتحانية للشهادات العامة في الشرق الأوسط منذ سنوات، والتي تضم هذا العام 921 ألف طالب يؤدون امتحاناتهم داخل 2036 لجنة، لايزال مضطراً لإدارة منظومة الاعتذارات بالأساليب التقليدية، عبر الحضور الشخصي والمستندات الورقية والفحص اليدوي.
هذا المشهد الحي يعبر بوضوح عن حال خدمات عديدة داخل منظومة التعليم ما قبل الجامعي.
فبرغم أن وزارة التربية والتعليم من الوزارات القليلة التي تنبهت الدولة مبكراً للأهمية استحداث منصب «نائب الوزير للتطوير التكنولوجي» لإدارة منظومة مرعبة بحجمها «27 مليون طالب، و60 ألف مدرسة، ومليون وربع المليون معلم وإداري»، إلا أن الفجوة لا تزال واسعة بين الطموح الرقمي والواقع الإداري.
فلا يعقل أننا بعد انتهاء الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، لا تزال الإدارات التعليمية تفتخر بخدمة «الشباك الواحد» التقليدية لإنجاز معاملات المواطنين من نقل الطلاب أو استخراج بيانات النجاح، أو دفع المصروفات والتي يمكن إتمامها إلكترونياً في دقائق والمواطن في بيته أو عمله أو في أي مكان.. كما لا يعقل مثلاً غياب منظومة رقمية موحدة تضبط لغز مصروفات المدارس الخاصة والدولية وتوفر معلومات دقيقة ومحمية لأولياء الأمور.. وتخلص الوزارة من صداع رفع بعض المدارس المصروفات بنسب جزافية.
إن هذا الحجم الضخم يفرض مجهوداً مضاعفاً في ميكنة الخدمات والتعاملات اليومية.
ومن هنا، أتمنى من الوزير النشيط محمد عبد اللطيف، أن يضع تطوير الخدمات التكنولوجية للمواطنين في مقدمة أولوياته، وأن يتضمن سجل الإنجاز السنوي للوزارة مؤشراً واضحاً يقيس معدل الخدمات التي تم تحويلها من «ورقي تقليدي» إلى «رقمي بالكامل».
طوابير الاعتذارات انتهت وماراثون الامتحانات انطلق صباح اليوم الأحد، لكن الرسالة الأهم التي يجب أن نستوعبها أن التحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ وينتهي عند حدود “التابلت” أو “الامتحان الإلكتروني” فقط، بل يبدأ من خدمة سهلة، سريعة، وشفافة، توفر الوقت والجهد والمال، وتحسن تجربة المعلم و المواطن اليومية أثناء تعامله مع شئونه التعليمية، وبالتالي ترفع معدلات الرضا العام عن أداء الوزارة وبالتالي الحكومة.









