احتفلت نقابة الصحفيين برئاسة الزميل خالد البلشي نقيب الصحفيين – الثلاثاء 16 يونيو 2026 – بـ «يوم الصحفي» الذي يخلِّد ذكرى انتصار الجماعة الصحفية في «معركة الحرية» التي دارت في مثل هذه الأيام قبل 31 عامًا، عندما صدر القانون 93 لسنة 1995 أو ما عُرف وقتئذ بـ «قانون اغتيال الصحافة»، وتُوجت المعركة بإسقاطه وصدور القانون 96 لسنة 1996 الذي أراه يمثل قمة النضج التشريعي في إدارة شؤون الصحافة المصرية.
أيام مجيدة.. ومعركة شريفة أدارها صحفيو مصر -بكل توجهاتهم السياسية والصحفية- بطريقة مُشرفة، خلعوا فيها أرديتهم السياسية والأيديولوجية على باب بيتهم الكبير «نقابة الصحفيين»، واتحدوا وتوحدوا حول هدف واحد فقط وهو «حماية حرية الصحافة» من اغتيالها، وهي معركة تضامنت فيها كل قوى المجتمع مع الصحفيين باعتبار أن حرية الصحافة تعد ركيزة الحريات كلها في المجتمع، وليست امتيازًا شخصيًا لفئة بعينها، بل تعد ضمانة لحرية التعبير بمفهومها الأوسع.
أتذكر وقائع هذه «المعركة» بأدق تفاصيلها، وكنت شابًا في مقتبل العمر والحياة الصحفية، وحرصت على حضور أغلب الاجتماعات التي عُقدت في مبنى نقابة الصحفيين القديم، ومن بينها أعمال الجمعية العمومية غير العادية برئاسة نقيب الصحفيين إبراهيم نافع يوم 10 يونيو 1995 والتي أُطلق عليها «جمعية الكرامة»، وقررت أن تبقى في حالة انعقاد دائم، وهو ما حدث بالفعل على مدار عام كامل حتى تُوجت الجهود بإسقاط القانون المشبوه الذي صدر في جلسة «نصف الليل» بمجلس الشعب.

كانت هناك كوادر صحفية حقيقية تؤمن بقيمة الحرية وقدسيتها. لم يخشَ أحد على موقعه القيادي، ولم يزايد طرف على آخر، لم يعاير صحفي زميله بأنه ينتمي لحزب معين، ولم يقلل أحد من وطنية الآخر، فالكل يدرك أن الهدف واحد، حتى لو اختلفت طريقة التعبير، فلم نرَ مَن يحتكر مفهوم الانتماء للوطن لنفسه، أو يوزع «صكوك الوطنية» على غيره حسب هواه.
كانت معركة شريفة نظيفة، لم ينتصر الصحفيون فيها إلا بفضل تمسكهم بشرف المهنة، وشرف الخصومة، وشرف الخلاف والاختلاف.
إنها «وقائع معركة صحفية» شريفة لن تسقط من الذاكرة الوطنية، احتفلنا بها وتبقى الدروس التي لا يجب أن تغيب عن أذهاننا لحظة:
- أولاً: إن الصحافة المصرية هي البرلمان الحقيقي المُعبر عن الشعب المصري وطموحاته وتطلعاته نحو غد أفضل، فلقد شهدت الحياة السياسية انقطاع التجربة البرلمانية لفترات أثناء حل البرلمانات المختلفة، بينما لم تنقطع «التجربة الصحفية» يومًا واحدًا طيلة الأعوام الـ 150 الماضية أو يزيد.

- ثانيًا: ويرتبط بما سبق أن الصحافة ظلت وما زالت في طليعة «القوى الوطنية»، ولا يمكن لمنصف أن ينكر دورها في دعم معارك الوطن في أصعب وأدق ظروفه، بل إنها كانت الأداة الأكثر بروزًا وتأثيرًا في الحراك السياسي والاجتماعي الذي شهدته مصر خلال العقدين الماضيين.
- ثالثًا: إن نجاح الصحافة لم يتحقق إلا بفضل وحدة الجماعة الصحفية، وهو ما يجب أن يتمسك به الصحفيون ولا يغيب عن أنظارهم لحظة واحدة.
المؤكد أن صحافة مصر تواجه حاليًا تحديات اقتصادية وتمويلية غير مسبوقة، مما يفرض ضرورة التفكير في تطوير «نماذج التمويل» التي يتم الاعتماد عليها، وكان هذا الموضوع وما زال محورًا لكثير من الجهود البحثية التي لن تتوقف، والحقيقة أن رسالة الصحافة لا غنى عنها، والاحتياج للدور الصحفي لا بديل له.
قد يتغير شكل الوسيط، ولكن تبقى الرسالة واحدة. قد تشهد أذواق القرَّاء تحولات عبر المراحل التاريخية، ولكن يبقى الاحتياج للمعرفة في قلب الضرورات الإنسانية، وسواء كان الوسيط ورقيًا أو إلكترونيًا، فسيبقى الاحتياج للصحافة مسألة ليست مجالًا للشك.
وكل عام وصحافة مصر وصحفيوها بخير.









