قبل سبع سنوات، كنت أشارك فى التغطية الإعلامية لقمة مجموعة الدول السبع الكبرى فى مدينة بياريتز الفرنسية. كان السؤال الذى يسيطر على أجواء القمة آنذاك: كيف ندير العالم وكيف نحكم اقتصاده؟ كان هناك شعور غربى عميق بأن مفاتيح الاقتصاد والسياسة العالمية لا تزال فى يد الغرب، وأن مجموعة السبع قادرة، منفردة تقريباً، على رسم اتجاهات العالم وتحديد أولوياته.
>>>
هذا العام، عدت مرة أخرى لتغطية القمة، ولكن فى منتجع إيفيان الفرنسى على الحدود السويسرية. المكان مختلف، والزمن تغير، والعالم الذى عرفناه قبل سنوات لم يعد هو نفسه. اكتشفت أن السؤال القديم قد تبدل تماماً. لم يعد النقاش يدور حول كيفية إدارة العالم، وإنما أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من الذى يدير العالم أصلاً؟ ومن يملك القدرة الحقيقية على التحكم فى اقتصاداته ومساراته؟
>>>
لقد كشف غياب الصين وروسيا عن القمة حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهى أن العالم لم يعد يُختصر فى مجموعة السبع، مهما بلغت قوتها الاقتصادية والتكنولوجية. فالصين أصبحت لاعباً رئيسياً فى الاقتصاد العالمى، وروسيا ما زالت رقماً صعباً فى معادلات الأمن والطاقة والإستراتيجية. ومن دون هاتين القوتين، بدت القمة أقل قدرة على تقديم إجابات حاسمة للأسئلة الكبرى التى تواجه البشرية.
>>>
وفى قلب هذه التحولات، برز اسم واحد باعتباره كلمة السر فى القمتين: دونالد ترامب. الرجل لا ينظر إلى العالم بعين السياسى التقليدى، بل بعين رجل يريد إعادة تصميم النظام الدولى وفق رؤية أمريكية جديدة. إنه أقل حماساً للمؤسسات متعددة الأطراف، وأقل اقتناعاً بقدرة أوروبا على قيادة العالم، وأكثر إيماناً بأن موازين القوة الحقيقية توجد فى أماكن أخرى، وأن واشنطن يجب أن تتعامل مباشرة مع القوى الكبرى الصاعدة، وفى مقدمتها الصين وروسيا.
>>>
من كواليس القمة، ومن خلال أحاديث دارت فى أروقة السياسة الأمريكية، بدا واضحاً أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة، عنوانها إعادة تعريف مراكز القوة والنفوذ. وربما تحمل قمة واشنطن المقبلة مفاجآت كبيرة إذا ما تم توجيه الدعوة للرئيس الصينى شى جين بينج والرئيس الروسى فلاديمير بوتين للمشاركة فيها. فإذا حدث ذلك، فسيكون اعترافاً صريحاً بأن النظام الدولى القديم يقترب من نهايته، وأن العالم يبحث عن صيغة جديدة لإدارة شئونه.
>>>
وفى وسط هذا المشهد الدولى المتغير، كان الحضور المصرى لافتاً ومثيراً للفخر. فرغم أن مصر ليست عضواً فى مجموعة السبع، فإن حضورها يحظى بتقدير واحترام كبيرين، وهو تقدير يرتبط بمكانة الدولة المصرية ودور الرئيس عبدالفتاح السيسى فى ملفات إقليمية ودولية بالغة التعقيد.
>>>
وأنا أتابع المشهد عن قرب، شعرت بأن السؤال الحقيقى لم يعد يهمنى السؤال «من يحكم العالم؟ « بل ربما أصبح ما يشغلنى كيف نحافظ على مشروعنا الوطنى المصرى وسط كل هذا التغير وكيف يمكن لدولة بحجم مصر، تمتلك تاريخاً وثقلاً وموقعاً إستراتيجياً، أن تحافظ على مكانتها وتزيد من تأثيرها فى عالم يعاد تشكيله أمام أعيننا؟









