على مدار سنوات طويلة، ظلت أبحاث علمية كثيرة حبيسة الأدراج، لا تجد طريقها إلى التطبيق العملى أو الاستفادة المجتمعية، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها عدم دقة اختيار بعض الموضوعات البحثية، وافتقار عدد من الدراسات إلى القيمة المضافة أو الجدوى الاقتصادية والخدمية، كما أن بعضها يقتصر على تحقيق متطلبات النشر العلمى دون السعى إلى تقديم حلول واقعية للتحديات القائمة.
كما عانى البحث العلمى لفترات من انخفاض ميزانيته، وهذا الأمر أوقف استكمال العديد من المشروعات البحثية وتطويرها من مرحلة الدراسات النظرية إلى مرحلة النماذج الأولية والمنتجات القابلة للتطبيق، وبصراحة المشكلة ليست فى الدعم المادى فقط، بل كانت فى عدم توجيه الأبحاث وتوظيفها بالشكل الصحيح نحو أولويات الدولة واحتياجات المجتمع، لضمان تحويل الأفكار العلمية إلى منتجات وحلول ملموسة تسهم فى التنمية الشاملة.
ومع تبنى الدولة خلال السنوات الأخيرة إستراتيجيات جديدة لربط البحث العلمى بالصناعة والقطاعات الإنتاجية والخدمية المختلفة، بدأت تظهر ملامح جديدة للبحث العلمي، وأصبح له دور أكثر تأثيراً فى دعم الاقتصاد الوطنى وتحقيق التنمية المستدامة، وبات تتجاوز أبحاثه حدود المعامل والمجلات العلمية لتصل إلى حلول مبتكرة وتقنيات حديثة ومنتجات على أرض الواقع، ومن أبرز هذه النماذج مشروع «الجينوم المصري» الذى يشرف عليه أكاديمية البحث العلمي، إلى جانب العديد من الابتكارات التى خرجت من المؤسسات البحثية مثل المركز القومى للبحوث، ومنها تطوير «خرسانة مضادة للاشعاع من مخلفات الحديد»، و«تحويل مخلفات الشاى إلى مادة أنزيمات»، وإنتاج «أزياء عالمية من ألياف النخيل»، وتطوير «طلاءات نانوية صديقة للبيئة»، وتصميم «وحدة ميكانيكية للرى وتقطيع المخلفات الزراعية»، كما أنتج «بدائل طبيعية آمنة للمضادات الحيوية المستوردة»، بالإضافة إلى عشرات من المنتجات الغذائية المطورة بمواصفات فنية معتمدة، كما قدم معهد البحوث الفلكية جهاز يحول الهواء إلى مياه، فيما أنتج مركز بحوث الفلزات «سبائك معدنية بتكنولوجيا موفرة للطاقة»، ويستخدم «الطفلة الزيتية بديلاً لصناعة الأسمنت، وغيرها من الابتكارات التى ساهمت فى دعم الصناعات المحلية، وتقليل الاعتماد على المكونات المستوردة، وتعزيز توجه الدولة نحو توطين التكنولوجيا وتحقيق رؤية مصر 2030.
من خلال متابعتى المهنية للبحث العلمي، أرى بالفعل تطوراً ملموساً فى جودة المخرجات البحثية، حيث تحولت العديد من الدراسات النظرية إلى أفكار قابلة للتنفيذ ومشروعات حقيقية تخدم الصناعة والزراعة والطب والطاقة والبيئة، لكن فى النهاية، هذا الإبداع العلمى يحتاج إلى مزيد من الدعم والتبنى من جانب القطاع الصناعى والمستثمرين، حتى تتحول الابتكارات البحثية إلى مشروعات إنتاجية ناجحة، ويترسخ شعار «صنع فى مصر» تحت مظلة وطنية متكاملة قادرة على الابتكار والتطوير والمنافسة.









