فى عالمٍ يضج بالصخب، وتتسابق فيه الحناجر لإثبات الوجود، يبرز «الصمت» كأقوى اللغات وأكثرها غموضاً، فهو ليس مجرد غياب للكلام أو فراغ صوّتِيّ، بل هو مساحة شاسعة تتأرجح بين داءٍ يقتل، ودواء يحيى.. الصمت جنة ونار.
حين يختار الإنسان الصمت طوعاً، يفتح لنفسه نافذة نحو السكينة والتأمل، محولاً السكون إلى ملاذ آمن يرمم فيه شتات روحه بعيداً عن ضوضاء العصر الرقمى و«جلجلة» الحياة اليومية.. يصبح الصمت هنا جنة.. نمط حياة يعكس الرزانة وعمق البصيرة.. يمكن، تتجسد حكمة السلف حين رأوا فى السكوت ذهباً يُصان به العِرض وتُرتّب به الأفكار.. يمكن !!
لكن، لهذا الصمت وجهاً آخر.. جهنم.. وجهاً مظلماً وقاسياً، حين يُشحذ كخنجرٍ مسموم ويُرفع كعقوبةٍ عاطفية فى وجه الشركاء أو الأبناء. فى تلك اللحظة، يتحول الصمت من واحة سلام إلى جدران زنزانة غير مرئية، إنه «العلاج الصامت» الذى يلغى وجود الآخر، ويتحول إلى تعذيب نفسى ينهش فى الروابط الإنسانية، ويخلّف وراءه ندوباً لا تبرأ، قد تُنسى الكلمات الجارحة، أما الصمت العقابى فيعنى إنكاراً تاماً لكيان الشريك.
بين صمتٍ يبنى وصمتٍ يهدم، وصمتٍ يداوى وصمتٍ يعاقب:
غدوتُ كأننى بالصمتِ حَيٌّ … ومِنْ عينيَّ يَنهمرُ البَيانُ
نَظَرْتُ إليكَ، فانعقد اللسانُ … وضاعَ الوصفُ، واغتربَ المكانُ
عيونٌ تلتقى، فتقولُ شِعراً … يَقصرُ عن بَلاغتِهِ الجَنانُ
صَمَتْنا.. والعيونُ لنا كتابٌ … يُرَتِّلُ لَهْفَةً، وبِها نُصانُ
صمت العشاق
أجمل ما فى صمت المحبين، أنه صمتٌ «مسموع» جداً للقلوب التى تشعر، حيث تتحول النظرة إلى قصيدة، والسكوت إلى اعتراف.
والسؤال: هل يقوى الوجدان على العيش صامتاً؟
نبضات قلوبنا، ودموعنا، وضحكاتنا، تجيب بنفيٍ قاطع.. نحن كائنات خلقت من لغة ومشاعر، واللغة، كما وصفها الفيلسوف الألمانى مارتن هايدغر، هى «مسكن الوجود».. أن يعيش الإنسان فى صمت دائم ومطلق، يعنى أن يُطرد من هذا المسكن الدافئ، ليموت برداً فى عراء الوجود.
صمت الرهبان والعباد
حتى أولئك الرهبان الذين نذروا الصمت فى قمم الجبال، كانوا يكسرون صمتهم بآهات التراتيل، ونبض الكتابة، وعرق البناء. فالإنسان لا يمكنه إلغاء الكلمة، لأن «الآخر» هو مرآتنا، وبدون النطق نصبح أشباحاً تتجول فى الفراغ. كما قال الشاعر المتنبى بجرأته المعهودة:
فِإِنَّمَا الْمَرْءُ بَعْدَ الْقَوْلِ صُورَتُهُ … وَمَا سِوَى نُطْقِهِ فِى الْقَوْمِ تِمْثَالَا محراب الوجود، ولنحمى مشاعرنا من الابتذال.
لا تطلب الحكمة منا أن نكون تماثيل صامتة، بل أن نتقن تلك المهارة الوجدانية العميقة التى لخصها الفيلسوف الإغريقى بلوتارخ بعمرٍ كامل حين قال: «أحتاج إلى سنتين لتعلم الكلام، وأحتاج إلى خمسين سنة لتعلم الصمت». إنها الحكمة التى تهمس فى أرواحنا بكبرياء ورقة: اعرف متى تتكلم لتنثر الفضة، ومتى تصمت لتسبك الذهب.
الصمت قبل وخلف القضبان
لم يكن الصمت تاريخياً مجرد ترفعٍ عن الكلام، بل استُخدم كأداة هندسة نفسية مرعبة لكسر إرادة البشر.. وحق الصمت أصبح «مبدأ قانونياً» نكفله الدساتير والتشريعات الجنائية، وحقاً إنسانياً أصيلاً يضمن لأى فرد، خاصة المشتبه بهم أو المتهمين، حرية الامتناع عن الإجابة عن أسئلة المحققين أو القضاة.
وللحديث بقية.









