خلال زيارة الرئيس الفرنسى ماكرون لمصر.. قفز أمامى شريط ذكرياتى فى باريس.. التى عشقتها.. لم يفارقنى طيف الأسطورة د. طه حسين.. كنت أبحث عن سر تسميته لباريس.. بلد الجن والملائكة.. ولماذا أطلقوا عليها عاصمة النور؟! وجدت باريس بلد المتناقضات.. فهى عاصمة الفن والسينما والموضة والعطور وأيضاً الثقافة.. والسياسة والاقتصاد.. وفى نفس الوقت بها أحياء كاملة.. تمارس فيها مختلف أنواع الرذائل والموبقات علانية.. كما يوجد حى جديد «لا ديفانس».. أقيم على أحدث ما وصل إليه العالم من مبانٍ وتكنولوجيا.. تضم قسم كامل لرجال الأعمال.. بنوك وشركات وفنادق.. وأقاموا به قوس نصر.. موازى تماماً لقوس النصر الأصلى فى الشانزلزية.. أما لماذا سميت باريس بعاصمة النور.. فلأنها أول عاصمة فى أوروبا يتم إنارتها بمصابيح تضاء بالكيروسين.. وباريس تضم حوالى 1000 «نعم ألف» متحفاً.. تصوروا متاحف متخصصة.. فمثلاً متحف لتطور طهى الطعام والمخبوزات والحلوى ومتحف للطيران بداية من أول طائرة تم تصنيعها فى التاريخ.. لأحدث طائرة.. وأول كمبيوتر.. لأحدث كمبيوتر.. بالمناسبة.. فأول كمبيوتر.. كان فى حجم مبنى من طابقين.. وأول ماكينة طباعة.. وأول موتور سيارة.. وتطور سيارات السيتروين والبيجو والرينو.. ومدرسة للعطور.. تضم أسرار صناعة العطور منذ القرن الخامس عشر.. حتى اليوم.. ومتحف لأدوات المائدة.. ومتحف للزهور والورود.. ومتحف للألوان.. واللون السائد فى كل عصر.. والمنافسة بين الألوان.. وكيف ساد الأزرق عصراً كاملاً.. ثم الأصفر.. ثم أصبح الأسود سيد الألوان.. يرتديه كبار المسئولين.. وكل لون له قصة داخل المتحف.. حتى أدوات زينة المرأة.. خصصوا لها متحف كامل.. ومتحف للأحذية.. ولكن يقف متحف اللوفر.. كأهم متاحف الدنيا.. وبرج ايفل.. الذى يرتفع 300 متر وتمت صناعته من الحديد.. أقامه العالم الفرنسى ايفل.. بمناسبة مرور 10 سنوات على الثورة الفرنسية التى انفجرت فى 14 يوليو 1789.. ويطلقون عليها الثورة الأم.. لأنها «أول ثورة فى أوروبا».. فهى التى أنهت سيطرة رجال الكنيسة على الحكم.. بمعنى أدق سيطرة رجال الدين على سلطة الحكم.. كل مرة أزور فيها باريس اذهب الى حى الباستيل.. أقف أمام بقايا سجن الباستيل.. رمز الظلم والقهر والتعذيب.. والذى تحول الى دار أوبرا شعبية.. تفتح أبوابها لعامة الشعب بالملابس العادية البسيطة.. وهنا أرادت فرنسا.. أن تقول للدنيا.. ان مكان الظلم والتعذيب تحول إلى مكان لإبداع العقل البشري.. فالأوبرا سيدة الفنون.. مفتوحة أمام البسطاء من الشعب.. يشاهدونها بدون الملابس الرسمية.. أسوة بالكبار من الطبقة الأرستقراطية.. ومن غرائب القدر.. إن المقصلة التى أمر بها روسبير نائب الملك بإعدادها.. وأطلقوا عليها القتل الرحيم «جلوتين».. يكون أول من أعدم بعد الثورة بها هو روسبير نفسه!! يا سبحان الله.. وأمام الباستيل.. أتذكر المفكر والأديب والكاتب الكبير فولتير.. الذى قامت على مبادئه الثورة الفرنسية : الإخاء والمساواة والعدل والحرية.. وكيف تم سجنه فى الباستيل أكثر من مرة.. قبل الثورة طبعاً.. لاتهامه فى إهانة الملك وحاشيته.. ومن الباستيل إلى متحف اللوفر.. أصابتنى الدهشة.. كيف كان هذا المتحف الضخم.. الذى يضم اكثر من 400 حجرة مقراً للأسرة الحاكمة!! ذهبت للوحة الموناليزا.. أكثر أماكن اللوفر إقبالاً من الزائرين.. إنها أعظم لوحة فى التاريخ.. لماذا؟ لأن دافنشي.. رسمها بطريقة علمية.. ليست فقط مجرد لوحة لوجه سيدة.. إنما رسمها دافنشى باستخدام التجسيم.. لأول مرة فى التاريخ.. فدافنشى هو الذى اخترع التجسيم.. وهو ما يشعرك بأنها تكاد تخرج من البرواز.. وأنه استخدم فى رسمها نظام اللاسيمترية.. أى لو طبق نصفى الوجه على بعضهما.. فلا ينطبقان أبداً.. فكل نصف به اختلاف عن الآخر.. ودافنشى هو أول من رسم الموناليزا.. بدون نهاية للخلفية.. فهى ممتدة بلا نهاية.. وتجلت عظمة إبداع دافنشي.. فى ان الموناليزا.. تنظر إلى كل من ينظر إليها فى نفس الوقت.. يعنى لو نظر إليها شخص من جهة اليمين.. يجدها تنظر إليه.. وفى نفس الوقت.. تبادل النظر.. لمن ينظر إليها من جهة الشمال!! وقد احتار العلماء هل هى مبتسمة أم حزينة!! ومازالت هذه اللوحة تدرس فى جميع كليات ومعاهد الفنون فى العالم.. وقد توصلت إحدى جامعات كندا إلى أنها مبتسمة.. وقبل أن أغادر قاعة الموناليزا.. توقفت طويلاً أمام لوحة «فرح قانا».. للفنان الإيطالى باولو فرينوزيا.. الذى جسد زيارة نابليون بونابرت سنة 1779.. لقانا الفلسطينية.. وهى مدينة تاريخية مقدسة معروفة بأنها مسرحا لأولى معجزات السيد المسيح.. حيث حول الماء إلى خمر.. خلال حفل زواج.. وقانا تقع داخل الجليل على بعد 6 كيلو شمال شرق مدينة الناصرة و18 كيلو متر غرب بحيرة طبريا.. وهكذا ينطق الحق من قلب اللوفر.. بأن فلسطين عربية.. عربية!! إنها باريس بلد الجن والملائكة.. وأيضاً عاصمة النور.









