غداً الجمعة، وفى سويسرا، يوقّع وفدان، أمريكى برئاسة «جى دى فانس» نائب الرئيس ترامب، وإيرانى برئاسة رئيس البرلمان وكبير المفاوضين «محمد باقر قاليباف» مذكرة التفاهم التى تمخضت عنها المفاوضات بين الدولتين حتى الآن، لإنهاء الحرب، وفتح مضيق هرمز للملاحة الدولية، ورفع الحصار الأمريكى عن الموانى الإيرانية.
حتى لحظة كتابة هذه السطور ظهر أمس، مازال بعض الغموض يحيط بالتفاصيل التى من المفترض أن تكون معروفة ومعلنة للكافة كما يحدث فى الأحوال المماثلة، وهو غموض يبدو متعمداً من الطرفين، ويثير علامة استفهام حول ما إذا كان يعكس استمرار مناخ الشك وعدم الثقة المتبادل بينهما، أو هو موجه نحو طرف ثالث، أم يحتمل الأمرين معاً.
فمثلاً.. تم الإعلان عن الدولة التى ستستضيف عملية التوقيع وهى سويسرا، ورغم إعلان سابق عن المدينة التى ستشهد عملية التوقيع وهى جنيف، صدرت تصريحات رسمية من الطرفين بأنه «سيتم التوقيع فى مكان يجرى تحديده لاحقا».
النص الرسمى لمحتوى الوثيقة التى سيتم التوقيع عليها لم يعلن رسميا من أى من الطرفين حتى الآن.. كل ما نشر وأذيع عنه إما تسريبات غير رسمية نقلا عن «مصادر مقربة»، أو أجزاء مقتضبة وعامة عن جهات رسمية، فقد اكتفى نائب الرئيس الأمريكى «فانس» رئيس الوفد الأمريكى الذى سيوقع الوثيقة بالقول «إنها تقع فى صفحة ونصف، لذا فهى وثيقة عامة للغاية».
ليس هذا فقط، بل إن ما يجرى يثير أكثر من علامة استفهام..
لماذا مثلا لم يتم التوقيع فى إسلام أباد، عاصمة باكستان التى استضافت المفاوضات التى أنتجت هذه الوثيقة، وسميت باسمها منذ الإعلان عن التوصل إليها وهو: «إتفاق إسلام أباد»؟!
وهل سيحضر الوسيط الباكستانى التوقيع فى سويسرا، أم سيقتصر التوقيع على الطرفين المتحاربين؟!
ثم إن تفسيراً رسمياً إيرانياً لمحتوى الوثيقة، أعلنه عباس عراقجى وزير الخارجية الإيرانى أمس لا أظن أنه «متفق عليه» مع أمريكا، وبالتالى سيثير أزمة، فقد أعلن فى اجتماع مع دبلوماسيين أجانب فى طهران ما يلى:
من وجهة نظرنا، فإن طرفى هذه المذكرة هما: الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى.. وربما تكون هذه أهم قضية فى الوثيقة، وهى إعلان إنهاء فورى ودائم للحرب على جميع الجبهات بما فى ذلك لبنان، ولن يكتمل ذلك دون انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضى التى احتلتها فى هذه الحرب.
هذا هو نص تصريح وزير الخارجية الإيرانى.. والصياغة بهذه الطريقة لا تستقيم من وجهة نظر القانون الدولى، حيث إسرائيل فى نظر القانون «دولة» تلتزم ـ افتراضياً ـ بما توقع عليه فقط، بينما «حزب الله» جهة مقاومة تحت ولاية إيرانية وليست حتى تحت سيادة لبنانية كما يعترف هذا التصريح، وبالتالى يجوز لكفيله التوقيع نيابة عنه وإلزامه بما وقع عليه وتسويق الاتفاق داخليًا وخارجيًا على أنه نصر لكل منهما.
فمن سيلزم إسرائيل بهذا النص، ورئيس وزرائها لم يشارك فى المفاوضات، وأعلن منذ اللحظة الأولى للتوصل إلى هذا الاتفاق، أنه لا يلزم بلاده؟!
ثم أين بقية «جميع الجبهات» التى يتحدث «عراقجى» عن أن الوثيقة تقضى بإنهاء فورى ودائم للحرب عليها؟! أين جبهة غزة والضفة الغربية مثلا التى لم يتوقف اطلاق النار فيها من جانب إسرائيل يوماً واحداً منذ الاتفاق عليه؟! وهذا ما يضع هذه الوثيقة فى مهب الريح.
رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.. وواضح أن طرفى المفاوضات: أمريكا وإيران وجدا أن الطريق إلى تحقيق سلام حقيقى دائم بينهما وفى الشرق الأوسط لا يزال طويلاً طويلاً، ومليئا بالعقبات، بينما العالم ضج من انتظار اتفاقهما، ويشكل ضغطاً هائلاً عليهما معا لسرعة إنهاء الحرب وفتح المضيق ورفع الحصار، فضلا عن الضغط الداخلى الهائل أيضا على قيادتى البلدين.
ولأن الطرفين ـ كما هو واضح ومؤكد ـ لا يريدان العودة إلى الحرب، رغم حرص كل منهما على تأكيد استعداده وجاهزيته لذلك، فقد كانت هذه الوثيقة هى الخيار الوحيد، والأمثل، لإنهاء الوضع القائم، واتخاذ قرار فيها يتعلق بالقضايا العاجلة: الحرب ـ المضيق ـ الحصار، وتحرير المفاوضات حول القضايا الإستراتيجية طويلة الأمد من هذا الضغط الراهن عليها وتسويق الاتفاق داخليًا وخارجيًا على أنه نصر لكل منهما.
والسؤال الجوهرى هنا هو:
ما هى فرص هذه الوثيقة، أو هذا الاتفاق المبدئى على الصمود:
فى مناخ لا يزال يحمل الكثير من الشكوك وعدم الثقة والتحفز المتبادل من الطرفين؟!
فى وجود عدم التزام إسرائيلى رسمى دائم بأى اتفاق أو قرار يأتيها من خارجها، سواء كان من منظمة دولية، ككل قرارات وقف اطلاق النار التى أصدرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبعضها كان بمبادرة من رؤساء أمريكا.. مبادرة بايدن خلال فترة رئاسته ومبادرة ترامب الحالية؟!
فى وجود أطراف إقليمية أخرى مازالت تتنافس على قيادة الإقليم؟!
فى ظل عدم اكتمال الزخم الإقليمى والعالمى القادر على ترجمة «حل الدولتين» بالنسبة للقضية الفلسطينية إلى واقع عملى حتى الآن، لفتح الطريق أمام استقرار وسلام حقيقيين ودائمين؟!
يبدو الرئيس ترامب منتشيا بهذه الوثيقة، ويعتبرها انتصارا ويعيش فى جو من التفاؤل الشخصى المعتاد، وقد عبر عن ذلك فى قمة الدول الصناعية السبع المنعقدة فى باريس قبل يومين بقوله: أعتقد أن العديد من الأمور الرائعة ستحدث فى الشرق الأوسط الآن.
لكن.. بالنسبة لنا ولغيرنا،وقياسًا على ما تابعناه فى المفاوضات من تبديل وتأجيل نحتاج أن نتأكد أولاً: هل سيتم التوقيع غدا حقا على وثيقة إنهاء الحرب وفتح المضيق ورفع الحصار؟! وفى أى مكان ما من سويسرا؟!!








