الغش انتشر بيننا بشكل مرعب جدا، فى الغذاء والدواء وكل شىء، حتى أنه لم يعد الغش فى زماننا سلوكاً فردياً معزولاً، ولا خطأً يرتكبه بعض ضعاف النفوس على استحياء، بل تحول فى كثير من المجالات إلى ظاهرة مقلقة تكاد تنخر فى جسد المجتمع كله.
فالغش الذى كان يبدأ من ورقة امتحان امتد إلى موائد الطعام، وإلى الأسواق، وإلى الإعلانات، وإلى صفحات التواصل الاجتماعى، حتى أصبح المواطن البسيط محاصراً من كل اتجاه؛ يخشى ما يأكل، وما يشرب، وما يشترى، بل وما يتداوى به.
كم من سلعة زُوّرت؟ وكم من منتج غُشَّت مكوناته؟ وكم من دواء مجهول المصدر بيع للناس على أنه علاج سحرى؟ وكم من إعلان مضلل استغل آلام المرضى وأوجاع البسطاء فوعدهم بالشفاء من كل داء؟
لقد انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعى وصفات مجهولة، وعقاقير غير مرخصة، ومستحضرات لا تخضع لأى رقابة حقيقية، وأصبح بعض الدجالين يبيعون الوهم تحت لافتات الطب البديل أو العلاج بالأعشاب أو الطاقة الخفية، بينما يختلط الجهل بالطمع، وتضيع الحقيقة وسط ضجيج الإعلانات الكاذبة.
والأخطر من ذلك أن الخرافة نفسها استعادت حضورها فى بعض البيئات؛ فبدلاً من البحث عن العلم يلجأ البعض إلى المشعوذين والدجالين، وبدلاً من الطب يلجأون إلى الوهم، وبدلاً من الأخذ بالأسباب يركنون إلى الأباطيل.
وما كان لهذا كله أن يتمدد لولا تراجع سلطان الضمير، وضعف الرقابة، وتراخى العقوبات أحياناً، وغياب الردع فى أحيان أخرى.
لقد أدرك الإسلام خطورة الغش منذ أربعة عشر قرناً، فجاء التحذير منه واضحاً وصريحاً. يقول الله تعالى: «وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ».
ولم تكن الآيات تتحدث عن الميزان وحده، بل عن مبدأ أخلاقى شامل يقوم على الأمانة والعدل وعدم أكل حقوق الناس بالباطل.
وجاء النبى صلى الله عليه وسلم ليضع قاعدة جامعة مانعة حين قال: «من غش فليس منا».
هذا التعبير النبوى البليغ؛ لم يقل النبى الكريم إنه ارتكب ذنباً فحسب، بل نفى عنه الانتساب إلى أخلاق الجماعة المؤمنة وقيمها، لأن الغش يهدم الثقة التى تقوم عليها حياة الناس.
فكيف يستقيم مجتمع إذا كان التاجر يغش، والصانع يغش، والموظف يغش، والطالب يغش، والطبيب يغش، والمعلن يغش؟
المشكلة ليست فى قلة القوانين، فمعظم الدول تملك قوانين لمعاقبة الغش والتدليس والاحتيال. لكن السؤال الأهم: هل تكفى العقوبات وحدها؟
الحقيقة أن العقوبة ضرورية، لكنها ليست كافية.
فالكاميرا قد تراقب السلوك، لكنها لا تزرع الضمير. ورجل الرقابة قد يضبط المخالفة، لكنه لا يصنع إنساناً أميناً. والمحكمة قد تعاقب الجاني، لكنها لا تبنى القيم فى النفوس.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية تبدأ قبل العقوبة بسنوات طويلة؛ تبدأ فى البيت حين يتعلم الطفل أن الحرام حرام ولو لم يره أحد، وتبدأ فى المدرسة حين يفهم الطالب أن النجاح شرف قبل أن يكون مجموعاً، وتبدأ فى المسجد والكنيسة والإعلام وكل مؤسسات المجتمع حين تُربَّى النفوس على مراقبة الله قبل مراقبة البشر.
لقد كان السلف يقولون: «لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت».
وحين يستقر هذا المعنى فى القلوب يصبح الإنسان رقيباً على نفسه حتى فى غياب كل أجهزة الرقابة.
أما إذا غاب الضمير فلن تكفى آلاف القوانين، ولن تكفى ملايين الكاميرات، لأن المحتال سيظل يبحث عن ثغرة، والغشاش سيظل يفتش عن وسيلة جديدة.
إن الأزمة فى جوهرها ليست أزمة قوانين بقدر ما هى أزمة قيم. وليست أزمة رقابة فقط، بل أزمة تربية أيضاً.
ولهذا فإن استعادة المجتمع لعافيته تقتضى مسارين متوازيين لا غنى عن أحدهما: رقابة صارمة لا تتهاون مع الغشاشين والمحتالين والدجالين، وتربية أخلاقية تعيد بناء الضمير الذى يخشى الله قبل أن يخشى العقوبة.
فالأمم لا تحفظها الجيوش وحدها، ولا القوانين وحدها، وإنما يحفظها قبل ذلك ضمير حىّ يرى الأمانة عبادة، ويرى الصدق فريضة، ويوقن أن ما عند الله خير وأبقى.
وحين يعود الضمير إلى مكانه الصحيح، لن نحتاج إلى مطاردة الغش فى كل زاوية؛ لأن الإنسان نفسه سيصبح أول من يحاربه.
وليس القضاء على الغش مستحيلاً كما يظن البعض، فقد نجحت دول كثيرة فى محاصرته حين تعاملت معه باعتباره شكلاً من أشكال الفساد لا مجرد مخالفة عابرة. فطبقت القانون على الجميع بلا استثناء، وشددت الرقابة، وربطت النجاح بالاستحقاق لا بالمجاملة، وغرست قيم الأمانة والنزاهة فى نفوس أبنائها منذ الصغر. لكن الدرس الأهم أن هذه الدول لم تكتفِ بالعقوبات، بل عملت على بناء الضمير؛ لأن الكاميرا قد تمنع الغشاش من الغش أمام الناس، أما الضمير فيمنعه منه حتى فى غياب الناس. ولذلك فإن معركتنا الحقيقية ليست داخل لجان الامتحانات فقط، بل داخل العقول والقلوب، حيث يولد الغش أولًا، وحيث يبدأ الإصلاح أيضًا.
والغش لا يقتصر على الطعام والدواء، بل يمتد إلى التجارة والوظائف والمهن والبحوث والإعلام، بل وإلى كل مجال تُهدر فيه الأمانة ويُؤكل فيه حق الناس بالباطل. وخطورته لا تقف عند خسارة فرد أو خداع مستهلك، وإنما تهدم الثقة التى يقوم عليها المجتمع كله، وتفتح أبواب الفساد والاحتيال وتضيع معها قيم العدل والاستحقاق.
وقد عالج الإسلام هذه الآفة من جذورها، فربط السلوك برقابة الله قبل رقابة القانون، وحذر منها أشد التحذير، فقال تعالى: «ويل للمطففين»، وقال النبى ﷺ: «من غشنا فليس منا». ولم يقصد بذلك إخراج الغشاش من الإسلام، وإنما بيان فداحة جرمه وأن الغش يتنافى مع أخلاق المؤمنين وهديهم؛ لأنه خيانة للأمانة وعدوان على حقوق الناس.
ومن صور الإفساد التى تستوجب المواجهة كذلك التهاون فى معالجة أخطار البيئة المحيطة بالإنسان، ومن ذلك ترك الكلاب الشرسة أو العدوانية تتكاثر فى الشوارع دون ضوابط علمية أو رقابية، حتى باتت حوادث العقر تتكرر وتحصد ضحايا من الأطفال وكبار السن والمارة. فالرفق بالحيوان قيمة حضارية وإنسانية، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى مصدر تهديد لأمن الناس وسلامتهم، إذ جاءت الشريعة بحفظ النفس ومنع الضرر قبل وقوعه.
إن أخطر ما فى الغش والفساد أنهما لا يقتلان الضمير فحسب، بل قد يقتلان الإنسان نفسه؛ فغش الدواء قد يزهق روح مريض، وغش الغذاء قد ينشر الأمراض، وغش البناء قد يهدم البيوت على ساكنيها، والتهاون فى مصادر الخطر قد يحصد أرواح الأبرياء. ولهذا فإن استعادة المجتمع لعافيته تقتضى مسارين متوازيين لا غنى عن أحدهما: رقابة صارمة لا تتهاون مع الغشاشين والمحتالين والدجالين، وتربية أخلاقية تعيد بناء الضمير الذى يخشى الله قبل أن يخشى العقوبة. فالأمم لا تحفظها القوانين وحدها، وإنما يحفظها قبل ذلك ضمير حيّ يرى الأمانة عبادة، والصدق فريضة، ويوقن أن ما عند الله خير وأبقى.









