تعد الهجرة النبوية المشرفة من أهم الأحداث فى تاريخ الإسلام إن لم تكن الحدث الأهم فيه، وهو ما حمل الصحابة على التأريخ بها، فقد كانت نقطة تحول مهمة فى هذا التاريخ العظيم، وبداية البناء العملى لدولة الإسلام فى المدينة المنورة، ذلك البناء الذى قام على عدة أسس، من أهمها ترسيخ أسس المؤاخاة ومبدأ العيش المشترك بين البشر، ذلك المبدأ الذى اتخذ من المدينة المنورة أفضل أنموذج فى تاريخ البشرية، سواء فيما بين المسلمين، أم فيما بينهم وبين الطوائف الأخرى من سكان المدينة.
ففيما بين المسلمين رسخ الإسلام مبدأ الأخوة والمؤاخاة ووحدة الصف، يقول الحق سبحانه وتعالى: « هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» ، وفيما بين المسلمين وبين غيرهم تعد وثيقة المدينة أعظم أنموذج لفقه التعايش فى تاريخ البشرية.
وقد أصّلت الهجرة النبوية دروسًا عظيمة فى ضرورة مراعاة فقه الواقع، ومن ذلك ما كان من النبى «صلى الله عليه وسلم» مع صفوان بن أمية، ذلك أن صفوان عندما أسلم قيل له: إِنَّهُ لا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، فقال: لا أَصِلُ إِلَى بَيْتِي، حَتَّى أَقْدُمَ الْمَدِينَةَ، فلما بلغ المدينة نزل على العباس بن عبد المطلب، فذهب به إلى النبى «صلى الله عليه وسلم» ، فقال له النبى«صلى الله عليه وسلم» : «مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا وَهْبٍ؟ قَالَ: قِيلَ إِنَّهُ لا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، فقال له النبى «صلى الله عليه وسلم» : ارْجِعْ أَبَا وَهْبٍ إِلَى أَبَاطِحِ مَكَّةَ، فَقَرُّوا عَلَى مِلَّتِكُمْ، فَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِنِ اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا» .
فقد ارتبطت الهجرة بمرحلة وحالة معينة من أحوال المسلمين وهى مرحلة الأذى والاستضعاف التى كان عليها المسلمون، حيث يقول الحق سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا» ، فلما أعز الله الإسلام ومكن له بفتح مكة وزالت حالة الاستضعاف التى كانوا عليها تغير الحكم من الحث على الهجرة واعتبار ذلك مطلبًا شرعيًا إلى الحكم بانتهاء الهجرة الحسية التى تعنى الانتقال من مكة إلى المدينة، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «لا هِجرةَ بَعدَ الفَتحِ، ولَكِن جِهادٌ ونيَّةٌ».
ويبقى التشبث بالهجرة المعنوية وهى هجر ما نهى الله عنه، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «المسلمُ من سَلِمَ المسلمونَ من لسانهِ ويدهِ، والمهاجرُ من هجر ما نهى اللهُ عنه».
ومن أهم الدروس المستفادة من هذا الحدث التاريخى العظيم التطبيق العملى لصحيح التوكل الذى يجمع بين حسن الأخذ بالأسباب وصدق الاعتماد على الله «عز وجل» ففى الوقت الذى ضرب فيه نبينا الكريم «صلى الله عليه وسلم» أروع الأمثلة فى حسن الأخذ بالأسباب ضرب أحسنها وأروعها فى صدق الاعتماد على خالق الأسباب والمسببات ، فحين قال له الصديق «رضى الله عنه» وهما فى الغار: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تحت قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا، أجابه صلى اللّه عليه وسلم: «يَا أَبَا بَكْرٍ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا»، يقول الحق سبحانه: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».









