جاءت قمة مجموعة السبع فى إيفيان الفرنسية فى لحظة دولية شديدة التعقيد والاستقطاب، وكأن العالم كله حمل أزماته المفتوحة وصعد بها إلى ذلك المنتجع الجبلى الهادئ المطل على بحيرة جنيف. الحرب الروسية- الأوكرانية تدخل عامها الرابع دون أفق واضح لنهاية قريبة، وإسرائيل تواصل تغولها فى فلسطين وتوسع عملياتها فى لبنان وسوريا، والملف الإيراني- الأمريكى لا يزال أشبه ببركان خامد تتصاعد منه الأبخرة وينتظر لحظة الانفجار أو التسوية. عالم مضطرب ومشهد دولى مرتبك وقوى كبرى تبحث عن طريق جديد لإدارة الفوضي.
>>>
فى مثل هذه اللحظات لا تكون القمم الدولية معنية بإنتاج المعجزات، وإنما بمحاولة منع الانهيارات الكبري. لذلك يمكن وصف قمة إيفيان بأنها «قمة تدوير الزوايا». لم تأتِ لتقدم حلولاً نهائية، بل لتخفف حدة الصدامات، وتعيد ترتيب الأولويات، وتبحث عن مساحات مشتركة بين أطراف تتسع بينها فجوات الخلاف.
>>>>
العالم اليوم يحتاج إلى إعادة تشكيل وضبط جديد. توازنات ما بعد الحرب الباردة انتهت، والقواعد التى حكمت العلاقات الدولية لعقود تتعرض للاهتزاز، والمؤسسات الدولية تبدو أقل قدرة على إدارة الأزمات المتلاحقة. باختصار، العالم يحتاج إلى إعادة ضبط زواياه.
>>>
الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لا يخفى ضيقه من المؤتمرات المطولة والاجتماعات البروتوكولية، ولا يخفى أيضاً تحفظه التقليدى تجاه المؤسسات متعددة الأطراف. هو رجل يفضل الصفقات المباشرة والاتصالات الثنائية السريعة والحلول العملية التى تحقق نتائج ملموسة. لذلك بدا حضوره فى إيفيان مختلفاً عن حضور بقية القادة، سريع الإيقاع، قليل الصبر، وأكثر ميلاً إلى اللقاءات الثنائية من الجلسات الجماعية.
>>>
لكن لقاءه مع الرئيس عبدالفتاح السيسى حمل دلالات مختلفة شكلاً ومضموناً. وكما جرت العادة فى لقاءات الرجلين، كان هناك قدر واضح من الود والاحترام المتبادل. ترامب أكد أن مصر شريك مهم للولايات المتحدة، وأن الرئيس السيسى يحظى باحترام كبير على المستوى الدولي، وهى عبارات ليست مجرد مجاملات دبلوماسية، بل تعكس إدراكاً أمريكياً لدور مصر المحورى فى ملفات الشرق الأوسط، من غزة إلى ليبيا، ومن أمن البحر الأحمر إلى مكافحة الإرهاب.
>>>
وخلال المؤتمر الصحفى قبيل لقائه بالرئيس السيسي، كان لى سؤال مباشر إلى الرئيس الأمريكى بشأن موقف الولايات المتحدة من حقوق مصر المائية وأزمة سد الإثيوبي. وجاء رد ترامب لافتاً وصريحاً حين قال: «أنا أدعم مصر منذ اليوم الأول». ثم أضاف بطريقته الخاصة: «التقيت بالرئيس السيسى للمرة الأولى فى الفندق ووقعنا فى حب عميق». قد تبدو العبارة غير تقليدية، لكنها فى قاموس ترامب السياسى تعنى وجود علاقة شخصية وثقة متبادلة، وهو أمر يمنحه أهمية خاصة فى إدارة العلاقات الدولية.
>>>
الأهم من العبارات الودية كان التأكيد الأمريكى على دعم مصر فى ملف حقوقها المائية، وهو ملف يمثل بالنسبة للمصريين قضية وجودية تتجاوز حدود السياسة التقليدية. فالمياه بالنسبة لمصر ليست مجرد مورد اقتصادي، بل هى أساس الحياة والاستقرار والأمن القومي.
>>>
ربما لم تخرج قمة إيفيان بقرارات تاريخية تغير وجه العالم، لكنها قدمت ما هو ضرورى فى هذه اللحظة الدولية المضطربة: خفض منسوب التوتر، وفتح قنوات الحوار، وإعادة التذكير بأن إدارة الصراعات أحياناً تكون أكثر أهمية من حسمها. لقد كانت بحق قمة لتدوير الزوايا، ومحاولة لإبقاء العالم واقفاً على قدميه إلى أن تتشكل ملامح نظام دولى جديد أكثر توازناً وقدرة على التعامل مع أزمات عصر يبدو أنه لا يحب النهايات السهلة.









