فى مشهد بات يتكرر يوميا داخل المدارس والجامعات الخاصة والدولية يمكن للمرء أن يستمع إلى حوار كامل بين مجموعة من الشباب دون أن يسمع جملة عربية واحدة سليمة.
كلمات إنجليزية تتدفق بلا انقطاع ومصطلحات أجنبية تهيمن على الحديث بينما تتراجع اللغة العربية إلى الخلف كأنها لغة غريبة لا تنتمى إلى أصحابها.
المفارقة المؤلمة أن هذا يحدث فى بلاد كانت العربية فيها رمزاً للهوية والحضارة والثقافة.. وخرج من رحمها علماء وأدباء وشعراء أثروا الإنسانية بأعمال خالدة.
أما اليوم فقد أصبح بعض الشباب يشعر بالحرج من التحدث بالعربية الفصحى.
بينما يعتبر استخدام الكلمات الأجنبية دليلا على الرقى الاجتماعى أو المستوى التعليمى إن القضية لم تعد مجرد تعلم لغة أجنبية فتعلم اللغات ضرورة حضارية واقتصادية لا غنى عنها لكن الخطر الحقيقى يبدأ عندما تتحول اللغة الأجنبية من وسيلة للمعرفة إلى بديل للهوية.. وعندما يصبح الطالب قادرا على كتابة الأبحاث والمناقشات العلمية بالإنجليزية لكنه عاجز عن كتابة صفحة واحدة بالعربية دون أخطاء جسيمة.
لقد نجحت المدارس والجامعات التى تعتمد اللغة الإنجليزية فى إعداد أجيال قادرة على المنافسة عالميا وهو إنجاز لا يمكن إنكاره.
لكن السؤال الذى يفرض نفسه هل كان ثمن ذلك هو إضعاف ارتباط هذه الأجيال للغة الأم؟ وهل أصبحنا نخرِّج شبابا يحمل شهادات أجنبية عالمية لكنه يفتقد القدرة على التعبير عن أفكارة باللغة الوطنية.
الأمم القوية لا تتخلى عن لغاتها.. ففى فرنسا تفرض الفرنسية بقوة القانون فى المؤسسات الرسمية والإعلامية.. وفى الصين واليابان وكوريا الجنوبية تدرس العلوم الحديثة مع الحفاظ على اللغة الوطنية باعتبارها جزءاً من الأمن القومى والثقافي.. أما نحن فكثيرا ما نتعامل مع العربية باعتبارها مادة دراسية ثانوية بينما نمنح اللغات الأجنبية مكانة تتجاوز أحيانا حدود الحاجة الأكاديمية.
الأخطر من ذلك أن تراجع العربية لا يقتصر على المفردات والكلمات بل يمتد إلى الانتماء الثقافى ذاته.. فاللغة ليست حروفا تكتب بل هى الوعاء الذى يحمل القيم والتاريخ والذاكرة الجماعية للأمة.. وكلما ضعفت حلتها بتراثها وهويتها وخصوصيتها وهويتها الحضارية.
وإذا استمرت هذه الظاهرة دون مراجعة حقيقية فقد نجد أنفسنا أمام أجيال تعرف كل شيء عن ثقافات العالم لكنها لا تعرف الكثير عن ثقافتها الخاصة.. أجيال تستطيع التواصل مع الآخرين بسهولة لكنها تعجز عن التواصل مع جذورها.
إن الدفاع عن اللغة العربية ليس موقفا عاطفيا أو حنينا إلى الماضى بل ضرورة إستراتيجية لحماية الهوية الوطنية.. فالدول لا تقاس فقط بقوة اقتصادية أو جيوشها بل أيضا بقدرتها على الحفاظ على شخصيتها الثقافية ولغتها الجامعة.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للغة العربية داخل المدارس والجامعات والإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى.









