مع استمرار سياسات المماطلة والتذبذب وحالة عدم حسم النزاعات والحروب الإقليمية، واتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط- ووصلوها إلى البنية التحتية للطاقة وطرق الملاحة البحرية ولأهداف مدنية وعسكرية وجغرافية متفرقة في الإقليم- لم تعد أزمة الأمن القومي العربي قضية بعيدة. وما كان يمكن استيعابه سابقاً عبر سياسات الاحتواء، بلغ اليوم مرحلة تتكشف فيها كلفة غياب الهياكل العربية اللازمة للتعامل مع الأزمات المتعددة والمتكررة والمفتعلة في آنٍ واحد.
فالمنطقة لا تواجه نزاعاً واحداً، بل تراكم ضغوط متعددة: تصعيد عسكري، اضطرابات اقتصادية، وتنافس متصاعد بين قوى إقليمية ودولية. وهذه الضغوط مترابطة، يغذي بعضها بعضاً على نحو يترك هامشاً محدوداً للتردد. وفي هذا السياق، لم يعد غياب التنسيق العربي مجرد خلل بنيوي، بل تحول إلى ثغرة استراتيجية.
على مدى عقود، جرى التعامل مع الأمن القومي العربي بمنطق رد الفعل. تنشأ الأزمات فتأتي الاستجابات- غالباً متأخرة، ومجزأة، ونادراً ما تكون مستدامة. وقد أفرز هذا النمط فجوة بين الإمكانات والأداء. فالعالم العربي يمتلك قدرات اقتصادية وعسكرية وبشرية كبيرة، غير أن هذه الموارد نادراً ما تُترجم إلى نفوذ جماعي فعّال. ولم تكن المشكلة يوماً في نقص الموارد، بل في عدم التوصل بعد لرؤية استراتيجية جامعة قادرة على تنظيمها وتوظيفها بكفاءة.
وتتفاقم هذه الفجوة بفعل محدودية الآليات العربية القائمة، التي عانت عبر الزمن من صعوبة التكيف مع المتغيرات، بفعل الجمود الإجرائي وتضارب الأولويات الوطنية. كما كشفت تجاربها في إدارة الأزمات الكبرى عن أوجه قصور هيكلية لم يعد من الممكن تجاهلها. فالتعامل مع تحديات اليوم لا يقتصر على إعادة النظر في الأطر القديمة، بل يتطلب تحولاً في مفهوم التنسيق ذاته—من توافق شكلي إلى تعاون تنفيذي فعلي على أرض الواقع.
التحدي الحقيقي والفعلي أن المنطقة العربية وقعت رهينة للعبة شطرنج مطولة ما بين أطراف دولية من جهة وأطراف إقليمية غير عربية. وفاقم من خطورة هذه اللعبة شبه تآكل وانهيار دور الأمم المتحدة ومنظماتها ووكالاتها، وتراجع القوى الدولية الأخرى وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي.
التعامل مع هذا التحدي المتنامي، يمكن أن يبدأ بعقد اجتماعات تضم القيادات السياسية والعسكرية، وأجهزة الاستخبارات، والأمن القومي، والأمن السيبراني—في الدول العربية الأكثر تعرضاً للمخاطر الراهنة. وعلى أن يتسع هذا الإطار تدريجياً ليشمل دولاً عربية أخرى راغبة في الانخراط. فمن دون هذا النهج المرحلي، تبقى المبادرات الواسعة عرضة لأن تظل في إطار التصريحات دون ترجمة عملية.
وفي الوقت ذاته، تزداد الحاجة إلى بلورة استراتيجية عربية شاملة للأمن القومي. وينبغي أن تقوم هذه الاستراتيجية على تقييم واقعي للتهديدات والقدرات على حد سواء. فبحسب معظم المؤشرات، تمتلك الدول العربية مجتمعة موارد تفوق ما لدى العديد من الفاعلين الإقليميين المحيطين. غير أن عدم تطوير آليات التنسيق يحول دون توظيف هذه المزايا، لتظل محدودة وغير قادرة على التأثير في بيئة سريعة التحول. فالاستراتيجية هنا ليست مفهوماً نظرياً، بل أداة لتحويل القدرات القائمة إلى فعل مؤثر.
وفي هذا السياق، تبرز مصر بوصفها مؤهلة للقيام بدور محوري. فبفضل تقاليدها الدبلوماسية، وعمق مؤسساتها، وتشابك علاقاتها الإقليمية، تمتلك أساساً يمكن البناء عليه لقيادة هذا المسار. وقد اعتمدت الدبلوماسية المصرية تاريخياً على الانخراط المستمر—من مشاورات ممتدة، ووساطة نشطة، واتصالات متواصلة—وهي أدوات لا تزال ذات صلة في لحظة تتسم بعدم اليقين بالإقليم وتعدد الأجندات الدولية لفرض التواجد والهيمنة.
ومن الخطوات العملية، تشكيل فريق رفيع المستوى من مختلف المؤسسات المعنية للعمل مع الشركاء العرب لصياغة رؤية استراتيجية مشتركة—تعالج المخاطر الآنية وتستشرف التحديات المستقبلية. فمن دون هذا التخطيط الاستباقي، ستظل المنطقة أسيرة دائرة رد الفعل، تتكيف مع مسارات يصوغها الآخرون بدلاً من أن تسهم في صياغتها.
وعلى المستوى السياسي، تكتسب دبلوماسية القمة أهمية حاسمة. فالتواصل المباشر بين القادة—عبر الزيارات، والمشاورات، والجولات الدبلوماسية المنسقة—يسهم في بناء التفاهم السياسي اللازم لتعميق التعاون. وهذه التفاعلات ليست بروتوكولية فحسب، بل تمثل في كثير من الأحيان القنوات الوحيدة القادرة على تجاوز الانقسامات المتجذرة وتوحيد المواقف حول أولويات مشتركة.
وتتجلى أهمية هذا التحرك في ظل اتساع الفراغ الأمني الإقليمي. والتجارب التاريخية تؤكد أن مثل هذه الفراغات لا تبقى دون ملء. إذ تسارع قوى خارجية بالفعل إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالحها. وفي غياب تحرك عربي جماعي أو شبه جماعي أو من خلال مجموعة تنسيق، قد تتحول المنطقة إلى ساحة تُدار وفق أولويات خارجية لا تعكس بالضرورة مصالحها الذاتية.
وتملك مصر، بحكم موقعها الجيوسياسي وامتدادها الدبلوماسي، القدرة على إطلاق مسار سياسي لمعالجة هذا الفراغ. يبدأ ذلك بسلسلة من المشاورات والدعوات على مستوى القمة، تفضي إلى اجتماعات متتالية تبني زخماً تدريجياً نحو قمم عربية أكثر فاعلية وذات مخرجات ملموسة. وقد لا يفضي هذا المسار إلى حل جميع الخلافات، لكنه يمكن أن يؤسس لإطار تُدار ضمنه هذه الخلافات بدلاً من أن تعطل العمل الجماعي.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يظل أي إطار أمني عربي ناشئ مرتكزاً إلى الشرعية الدولية. فالحفاظ على دور الأمم المتحدة يكتسب أهمية خاصة، لا سيما في ظل الضغوط التي تواجهها المؤسسات متعددة الأطراف. ويوفر ميثاق الأمم المتحدة أساساً قانونياً واضحاً للعمل الجماعي دفاعاً عن الاستقرار، ولمواجهة التهديدات التي تطال السلم والأمن الدوليين. ومن ثم، فإن تفعيل هذه الأطر، لا تجاوزها، هو ما يعزز الموقف العربي.
إن اللحظة الراهنة تتسم بدرجة من الإلحاح لا تترك مجالاً كبيراً للتأجيل. ولم يعد السؤال ما إذا كان التطوير ضرورياً، بل ما إذا كان سيأتي في الوقت المناسب بما يتيح للعالم العربي صياغة مستقبله بنفسه- أم أن هذا المستقبل سيُصاغ له من الخارج. البدايات منتدى عربي أمني بالعلمين على نمط منتدى برلين الأمني ومنتدى أنطاليا الأمني، ثم مركز دراسات أمنية واستراتيجية عربي بالقاهرة على نمط مركز دراسات تشاتام هاوس بلندن ومركز الدراسات الأمنية بجنيف.
لدينا الموارد البشرية من الخبراء والمختصين والاستشاريين والاقتصاديين والتقنيين والسياسيين والعسكريين والاستراتيجيين، من المصريين والعرب داخل الوطن العربي وبالمهجر في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وأستراليا، القادرين على المساهمة في صياغة مثل هذا المشروع القومي على أسس حديثة وعصرية وتكنولوجية.









