فى توقيت بالغ التعقيد يشهد فيه النظام الدولى تحديات غير مسبوقة من تفاقم الاختلالات فى الهيكل المالى والاقتصادى الكلي، وتنامى إشكالية الديون السيادية، إلى تراجع مستويات التنسيق الدولي، تأتى مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى قمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى G7 بمدينة إيفيان الفرنسية لتضع النقاط على الحروف، وتؤكد مجدداً أن مصر ليست مجرد لاعب إقليمي، بل هى شريك صياغة للمستقبل الدولي.
هذه القمة، التى عقدت تحت الرئاسة الفرنسية قبل تسليم الراية إلى الولايات المتحدة، حملت فى طياتها دلالات سياسية واستراتيجية عميقة عكست ثقل الدولة المصرية ورؤيتها لحلحلة الأزمات الراهنة.
لم تكن دعوة مصر للمشاركة فى هذه القمة رفيعـــة المســتوى التى تمثل دولها أكثر من 30 % من حجم الاقتصاد العالمى وتتجاوز حصتها 40 % من الناتج المحلى الإجمالى العالمى وليدة الصدفة. إنها المشاركة الثانية لمصر بعد قمة «بياريتز» عام 2019، لكنها هذه المرة تأتى بصفة «دولة شريكة»، مما يتيح لها التواجد الفاعل فى كافة فعاليات القمة، وليس فقط فى جلسات محددة.
إن اختيار مصر بجانب أربع دول أخرى فقط «الهند رئيسة تجمع «بريكس»، والبرازيل رئيسة مؤتمر COP30، وكينيا، وكوريا الجنوبية» يعكس بوضوح ثلاثة أبعاد رئيسية.
اولا، التأكيد الدولى على دور مصر المحورى والضرورى لدفع جهود التنمية والاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط. ثانيا، الخصوصية الشديدة التى تتسم بها العلاقات المصرية-الفرنسية، فضلاً عن الروابط المتينة مع كافة دول المجموعة. ثالثا، قدرة القاهرة على صياغة تطلعات واحتياجات الدول الناشئة أمام القوى الاقتصادية الأكبر فى العالم.
لقد تأسست مجموعة السبع عام 1975 لمواجهة اضطرابات النفط، واليوم تجد نفسها أمام قضايا أكثر تعقيداً تتطلب صوتاً حكيماً كصوت مصر. وقد جاءت القمة لتناقش ملفات تمس صلب الرؤية المصرية لإدارة الأزمات، حيث ركزت القمة على صياغة إطار جديد ينتقل بالعالم من النهج التقليدى القائم على «المساعدات الإنمائية» إلى مفهوم أشمل وأكثر كرامة وهو «الشراكات الدولية والتضامن»، وهو المبدأ الذى طالما نادت به الدبلوماسية المصرية. كما تناولت تسوية الأزمات الدولية لاسيما فى أوكرانيا والشرق الأوسط، ومواجهة انعكاساتها الحادة على أمن الطاقة، والتجارة، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائى العالمي. اضافة إلى التنسيق حول آليات الرقمنة والذكاء الاصطناعى لضمان نمو اقتصادى عالمى متوازن ومستدام.
إن جلوس الرئيس السيسى على طاولة واحدة تضم قادة القوى السبع «فرنسا، الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، كندا» إلى جانب رؤساء المنظمات الدولية الكبرى كالأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبنك التنمية الإفريقى، يمنح التوجهات المصرية قوة دفع استثنائية.
إن قمة «إيفيان 2026» ليست مجرد محفل اقتصادي، بل هى منصة دولية أثبتت فيها مصر أن استقرار الشرق الأوسط يمر حتماً عبر القاهرة، وأن صياغة نظام اقتصادى وسياسى عالمى عادل ومستقر لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن الرؤية المصرية الشاملة.









