ونعود للحديث عن الغذاء والدواء .. ماذا لو قال لك أحد إن شرب الماء مضر؟ .. أو أن الكورتيزون هو الدواء الوحيد فى العالم الذى ليس له آثار جانبية؟ أعتقد أن الأمر يجب أن ينتهى عند هذا الحد فورا.. لا حوار ولا جدال.. المقولة خرافية ولابد أن يكون قائلها ساذج أو معتوه.. والأمر لايحتاج إلى إضاعة الوقت فى الحوار أو تقديم الأدلة العلمية والبراهين.. خلاص الأمر محسوم وواضح وضوح الشمس فى عز النهار. لذلك فلقد إحترت وتعجبت كثيرا أمام الضجة الساذجة على منصات التواصل الاجتماعى والتى صاحبت «هلوسة» طبيب تخدير وهو يفتى فى مجال الغذاء والتغذية العلاجية بآراء وأفكار غريبة وزائفة.. فى أمور هى بعيدة كل البعد عن تخصصه.. ويقر أنها تصور خاص به وليس مبنيا على أى تجارب أو بحوث أو دراسات.. وهذا ما يطلق عليه علميا بالهجايص .. علو صوت الضجة جعلنى أدعبس عن الكثير مما قاله الزميل عن الغذاء والتغذية.. وليس ما قال عن النساء والدين والسجائر ولا السرطانات .. إن أغلب ماقاله خطأ والكثير منه خطير .. الغالبية العظمى مما قاله ليس له أى أساس من الصحة أو المصداقية .. والله خرافات .. الحقائق العلمية الطبية شيء يخص العالم بأجمعه .. وأى معلومة جديدة فى عالم الطب لابد أن تثبت دقتها وسلامتها من خلال الدراسات والبحوث والمؤتمرات .. وهنا يسمع العالم بأسره عنها .. ويتبعها أو يلتزم بها .. أما الأراء التى تقال ونحن بالبيجاما والشبشب الزنوبه .. فلا مكان لها فى السجلات العلمية .. أنهى حديثى عن الزميل واسع الخيال رحمه الله ولا أجد أن هناك أى سبب آخر يدعو للحديث عنه أو عن أى شيء قاله. وأعتقد أنه لابد وأن يتم فورا عدم النشر أو التنويه عن كل ما يتعلق بهذه الظاهرة التى ربما يكون هناك من يقوم بترويجها من أجل بلبلة الرأى العام وإنشغاله بأمور تجعله ينتمى لهذا الفكر أم ذاك..
والذى يثير القلق بالفعل .. هو أتساع دائرة هذه الهلوسة إلى مساحات بعيدة.. وهناك الكثير بالفعل من اقتنع بالمعلومات الخيالية والخرافية التى قيلت بل بالعكس .. طبقها على نفسه رغم خطورتها فى بعض الأحيان مثل التوقف عن تعاطى الأنسولين لمرضى السكر .. وهناك الكثير ممن تعاطفوا معه بدرجة كبيرة وأصبحوا يدافعون عنه وعن أقواله .. ويرددون كلمة الرسالة والجهاد والشهيد .. فهل وصلت وسائل التواصل الاجتماعى إلى هذه الدرجة المخيفة من تفشيها فى المجتمع ومن تحديث الأثر فى تغيير المفاهيم والسلوكيات بحيث نجد فئة المثقفين وهم ينحازون لفكر غير منطقى .. والأخطر أن الأمر يخص صحتهم .. هذه ظاهرة خطيرة أحذر منها بشدة فهى مؤشر كبير لعدم الثقة حتى فى اليقين .. الإعلام أيضا شارك فى تسليط الضوء على هذه الظاهرة السلبية وربما من زاوية العرض وليس النقد وهذا أيضا أمر خطير .. والأخطر أن الإجراءات التى قامت بها نقابة الأطباء جاءت متأخرة ولم تعلن نتائجها بوضوح ولم تأخذ نفس الاهتمام الجماهيرى والإعلامى بالحدث نفسه.
منذ زمن بعيد ونحن نسمع كثيرا عن الفتاوى فى مجال الغذاء والتغذية .. سلسلة متواصلة من الإدعاءات غير السليمة ممن يدعون العلم والمعرفة .. كل من هب ودب يستطيع أن يقول .. وكلما كان مايقول مثيرا كلما زادت شهرته على وسائل الإعلام .. بداية من علاج حقن اللبن لعلاج الروماتيزم ثم الشلولو لعلاج الكورونا ثم الرجيم الكيمائى لإنقاص الوزن .. ومعرفة الأغذية المفيدة من خلال تحليل كرات الدم البيضاء .. المشكلة فى إننا فتحنا الباب لتخصصات كثيرة للعمل فى مجال الغذاء .. ليس الأطباء فقط بل كليات الزراعة والصيدلة والعلوم ومجالات أخرى تعطى دبلومات أو دورات فى أمور التغذية .. وهذه هى الطامة الكبرى .. ولابد من إعادة النظر فى هذه الأمور وبسرعة ..
لدينا المعهد القومى للتغذية وهو الجهة الوحيدة الرسمية التى يجب اللجوء إليها لإبداء الرآى فى الأمور العلمية المتعلقة بالغذاء والتغذية .. كما يجب عليه أن يقوم بذلك .. لابد أن يتم دعم هذا المعهد دعما شاملا من أجل تطويره ليصبح قادرا بالفعل على أن يكون الوجهة العلمية التى تتناول أمور التغذية والغذاء .. يحتاج المعهد إلى توفير الإدارة الواعية عن طريق اختيار الأفضل وليس بالأقدمية .. يحتاج إلى دعم كبير للمعامل والأنشطة العلمية .. وتطوير الأنشطة الأكاديمية والتطبيقية التى يقدمها.. وأن يتم تشغيله من منظور قومى متطور وليس كجزء من المؤسسات التعليمية لوزارة الصحة فحسب.









