«وجاء دايان بعد ذلك إلى مكتبي، وسألنى مرة ثانية: هل تريدين منى أن استقيل؟ إننى على استعداد لأن أفعل ذلك».. هكذا تعترف جولدا بإلحاح موشيه دايان بتقديم استقالته كنتيجة طبيعية لما آلت إليه أحوال الكيان بعد الهزيمة النكراء من المصريين، هى دائمة التذكير بطلبات دايان وزير جيش الدفاع بالاستقالة، حتى لا ينسى قارئ مذكرات اعترافاتها بأن المسئول ـ الأول ـ عن هزيمة الدولة العبرية وجيش الدفاع هو ـ وحده ـ موشيه دايان وليست هي، فهى تحفظ لنفسها هالة البطلة القومية حتى فى الأوقات الصعبة، كالتى تمر علييها مع دولتها وشعبها من هزيمة وانكسار.
لكن السؤال الأهم والذى سيتبادر إلى ذهن القاريءالعبرى قبل العربى والغربي، وهو: لماذا لم تترك جولدا ديان ليستقيل؟ وهى بذلك تزيحه من المشهد السياسي، وترتاح من منافسة رجل بوزن وزير الدفاع، والإجابة السريعة جاءت على لسان جولدا فى اعترافاتها، ويأتى «السطر» التالى مباشرة لطلب دايان بالاستقالة، أن تعترف فيه جولدا بسبب رفضها الصريح والمعلن، وكان السبب: «ومرة ثانية قلت له «لا» فقد كنت أعلم أن تشكيل لجنة تحقيق أصبح وشيكا».. المرأة «الداهية» السياسية لم ترغب فى إزاحة وزير الدفاع عن مشهد المسئولية المصيرية والتاريخية والتى سيتناقلها القادم من الأجيال وسوف يرددون ـ لا شك ـ أن وزير الدفاع هو المسئول عن هزيمة كيبور، وليست جولدا مائيير، وأرادت أن توثق عار الهزيمة من خلال وثائق لجنة «اجرانات» فلم تشأ جولدا أن تبعد موشيه دايان عن الأنظار وبؤرة المسئولية بالاستقالة، فالاستقالة ستأتى فى صورة «إقالة» وهى أمر واقع لا فرار منه، وكأن استقالته أو إقالته هى مجرد تحصيل حاصل، فاليبق الرجل المنهزم ليواجه مصيره من لعنات الشعب العبرى والتاريخ والمستقبل، هى بحق تلميذة نجيبة لـ «ديفيد بن جوريون»!.
تعترف: «اللجنةالتى شكلت فى 18 نوفمبر تحت رئاسة شيمون أجرانات رئيس المحكمة العليا».. فبحكم وظيفتها كانت تسعى لترتيب وتمرير لجنة قضائية على التحاكم قادة الجيش «الذى لا يُقهر» وتوجه لهم اللوم بالتقصير وأنهم أسباب هزيمة كيبور.
تبرر فى اعترافاتها عن أسباب تركها صراحة لدايان فى الوزارة دون قبول لاستقالته: «وعلى هذا فإلى أن تنتهى تقصد اللجنة ـ من عملها وترفع نتائجها، فإن مبدأ مسئولية الحكومة الجماعية يظل قائماً».. لذا كانت جولدا ترفض استقالة موشيه دايان، حتى يتحمل بصفته وزير جيش الدفاع مسئولية الهزيمة من المصريين «هزيمة كيبور»!.
كما كانت جولدا لا ترغب فى إحداث شرخ فى حكومتها فى توقيت الهزيمة، وتعترف: «كانت الأزمة الحكومية هى آخر ما تحتاجه إسرائيل فى مثل هذا الوقت».. ولسنافى عوز أو احتياج لتفسير «هذا الوقت» و«الأزمة الحكومية» فكلتاهما مفردتان القصد المباشر منهما «هزيمة كيبور» وبالطبع ليس نصراً عسكرياً، وليست معادلة النتيجة الحربية بين الجيش المصرى والعصابة العبرية، حتى لا يُسوّق أبناء جيل الهزيمة «هزيمة كيبور» شيئاً آخر غير «الهزيمة» لشعبهم أو للرأى العام العالمي، وحتى لا يحرفون الكلم عن مواضعه فى النص التاريخى لسردية معارك كيبور التى إبتدأت وانتهت بهزيمة دولة الكيان وعصابة جيش الدفاع والشعب العبرى وحكومته.
ومن المؤكد أن من ضمن عبقرية اختيار «أكتوبر» كتوقيت وظرف زمنى لمفاجأة الهجوم المصرى على الصهاية وجيشهم وكيانهم، فتعترف جولدا بأنه كان شهر انتخابات عامة فى الكيان، لكن الهزيمة لن تسمح بتنفيذ مجريات الانتخابات، بل لابد من تأجيلها حتى لا تنهار دولة الكيان، وتعترف:»وكنا على أى حال قد أجلنا موعد الانتخابات العامة من 31 أكتوبر إلى 31ديسمبر «كانون الأول»«..وتوضح جولدا سبب التأجيل للانتخابات فى اعترافها التالى مباشرة: «وعندئذ تصبح الأمة قادرة على التنفيس عن مشاعرها».. تُرى هل هى مشاعر انتصار وزهو؟! أم هى مشاعر هزيمة وذل! … أى المشاعر تلك التى تُجبر رئيسة الحكومة على تأجيل استحقاق ديمقراطى تدعى دولتها بأنها الوحيدة فى المنطقة التى يمارس شعبها مظاهر الديمقراطية؟ وهل كان الشعب الهائج والمضطرب فى حال لاختيار قادته القادمين إما بتجديد الثقة فيمن كانوا أسباب الهزيمة «مأساة وطن» كما سمتها جولدا بنفسها عن حال الهزيمة؟ أم أن الشعب فى حال يسمح له باختيار جيل جديد من القادة غير هؤلاء المنهزمون؟ وإذا حدث ذلك فما هو مصير جيل الهزيمة، تلك مخاوف انتابت جولدا لذا سعت لتأجيل الانتخابات ليس حفاظًا على الشعب العبري، بل حفاظًا على رقبتها ـ أولاً ـ ثم رقاب حكومتها التى كانت على حافة المقصلة بسبب «هزيمة كيبور».
والكثير من مرارة الاعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.









