هل تستطيع شركة خاصة أن تُدير 172 محطة وقود أفضل مما تفعله الدولة؟ هذا هو السؤال الحقيقى الذى تطرحه صفقة «كويك فيول»، بعيداً عن بهجة التوقيعات وصور المصافحات. فحين وقّعت «طاقة عربية» اتفاقيتها مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، لم تكن تستحوذ على أصل بقدر ما كانت تضع سمعتها التشغيلية على المحك أمام ملايين المصريين الذين يترددون يومياً على محطات «وطنية».
الفكرة ليست جديدة، لكن تطبيقها فى قطاع توزيع المنتجات البترولية يُعدّ خطوة ذات دلالة بالغة. فمحطات «وطنية» لم تكن مجرد منافذ بيع وقود، بل كانت شبكة خدمية مترامية تمس حياة الملايين يومياً .. فى الملكية الكاملة لصالح جهة خارجية.
«طاقة عربية» ليست شركة وافدة على القطاع. فهى تمتلك أكثر من عشرين عاماً من الخبرة فى توزيع الغاز الطبيعى والكهرباء وتسويق المنتجات البترولية، وهى مدرجة فى البورصة المصرية، مما يعنى أنها خاضعة للرقابة والشفافية المالية. هذا التاريخ التشغيلى يمنح الصفقة مصداقية، ويجعلها أبعد عن نمط الاستحواذ الفرصى الذى طالما أثار جدلاً فى تجارب خصخصة سابقة.
لكن السؤال الجوهرى الذى ينبغى طرحه بصراحة: هل عقد الإدارة وحده كافٍ لإحداث التحول المأمول؟ التجارب الإقليمية تُشير إلى أن نجاح هذا النموذج مرهون بثلاثة شروط، أولها وضوح مؤشرات الأداء التى يُحاسَب عليها المشغّل الخاص، وثانيها استقلالية القرار التشغيلى، وثالثها وجود آلية خروج واضحة فى حال الإخفاق.
الإشارة إلى أن «طاقة عربية» ستستحوذ فى البداية على 10 % فقط من رأسمال «كويك فيول» تُوحى بأن الصفقة مصمَّمة على مراحل، وأن الاستحواذ الأكبر مرتبط بنتائج التشغيل الفعلية. هذا التدرج فى المسؤولية والملكية نهج حكيم، يحمى المال العام ويمنح المشغّل حافزاً حقيقياً للأداء.
ما يستحق الإشادة حقاً فى هذه الصفقة ليس فقط توقيتها، بل المنهجية التى بُنيت عليها. فالتحضير لها استغرق مرحلة إعادة هيكلة متكاملة للمحطات قبل تسليمها، وهو ما يعنى أن المالك لم يُسلّم أصلاً متهالكاً ثم يطالب بنتائج متميزة. هذا الانضباط فى الإعداد يرفع من احتمالية النجاح.
فى المحصلة، صفقة «كويك فيول» نموذج يستحق المتابعة الدقيقة. إن نجحت، ستفتح الباب أمام منهجية جديدة فى إدارة أصول الدولة، تحقق عائداً تشغيلياً أفضل دون التخلى عن الملكية. وإن تعثّرت، فستكون درساً ثميناً يُعيد رسم شروط الشراكة بين القطاعين العام والخاص فى مصر لسنوات قادمة.









