خلال الشهور الأخيرة انتشر ما عرف باسم «نظام الطيبات».. وللأسف وجد طريقه إلى ملايين المتابعين لا فى مصر وحدها بل فى عدد من الدول العربية
كتب : دكتور جمال مصطفى سعيد
منذ أن عرف الإنسان المرض وهو يبحث عن الشفاء. وهذه حقيقة إنسانية نبيلة لا خلاف عليها، فالمريض لا يبحث فقط عن الدواء، بل يبحث عن الأمل أيضًا، وحين يطول المرض ويصبح مزمنًا، أو ترتفع تكلفة العلاج، أو تتعقد التفسيرات الطبية، يصبح الإنسان أكثر استعدادًا لتصديق الحلول السهلة والوعود الكبيرة. وهنا تبدأ المشكلة.
خلال الشهور الأخيرة انتشر ما عرف باسم «نظام الطيبات»، وللأسف وجد طريقه إلى ملايين المتابعين، لا فى مصر وحدها بل فى عدد من الدول العربية. ولم يكن سر انتشاره فى قوته العلمية، بل فى بساطته الشديدة، فالناس بطبيعتهم تميل إلى الأفكار الواضحة والحلول المباشرة أكثر من ميلها إلى الحقائق المعقدة التى يقدمها العلم.
لكن الطب، للأسف أو لحسن الحظ، ليس بهذه البساطة. فالطب الحديث لم يبن على الحدس ولا على القناعات الشخصية ولا على القصص الفردية. لقد بنى على الملاحظة والتجربة والبحث والمراجعة والنقد والتصحيح المستمر. وما نعتبره اليوم حقيقة علمية قد يتغير غداً إذا ظهرت أدلة أقوي. هذه هى قوة العلم وليست نقطة ضعفه.
المشكلة فى كثير من النظم الغذائية أو العلاجية التى تكتسب شهرة واسعة أنها تبدأ من فكرة قد تحتوى على جزء من الحقيقة وقد لا تحتوي، ثم تتحول تدريجيا إلى تفسير شامل لكل شيء، وهنا تنتقل من دائرة الاجتهاد إلى دائرة الاعتقاد الذى وصل إلى حد اعتبار الكوركومين « ولا اعرف ما هو يضاهى الكورتيزون وبول الإبل شفاء لكل مرض، والبردقوش حل سحرى لعلاج ارتجاع المريء»
لا أحد يختلف على أهمية الغذاء الصحي. ولا أحد ينكر أن السمنة تمثل خطرًا على الصحة، وأن الإفراط فى السكريات أو الأغذية المصنعة يضر بالجسم. هذه حقائق مستقرة يعرفها كل طبيب وكل متخصص فى التغذية. لكن القفز من هذه الحقائق إلى القول بأن الغذاء وحده قادر على علاج أمراض معقدة، أو أن الأدوية لم تعد ضرورية، أو أن مرضى السكر أو القلب أو السرطان يستطيعون الاستغناء عن العلاج الطبى الموثق، هو قفز من العلم إلى الأمنيات.
لقد أمضت البشرية أكثر من قرن فى تطوير الأدوية الحديثة. ملايين المرضى يعيشون اليوم بفضل الإنسولين وأدوية القلب والمضادات الحيوية وعلاجات الأورام …. هذه الكلمات ليست كلمات نظرية أو بعيدة عن الواقع، بل حقيقة يومية نراها فى المستشفيات والعيادات. وأنا كطبيب وجراح قضيت سنوات طويلة بين المرضي، لم أر يوما مريضا بسرطان متقدم شفى لأنه استبدل العلاج العلمى بنظام غذائي. ولم أر مريضا بالسكر من النوع الأول عاش حياة طبيعية لأنه قرر التوقف عن الإنسولين. ما رأيته مرارا هو العكس تماما: مرضى تأخروا فى طلب العلاج، أو أوقفوا الأدوية، أو لجأوا إلى وصفات غير علمية أو غير كمعترف بها، ثم عادوا إلينا فى مراحل أكثر خطورة ومنهم من انتقل الى رحمة الله بفعل فاعل …. فهو فى حقيقته قضية شروع فى القتل.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية. فالأفكار الطبية الخاطئة لا تقاس بعدد المشاهدات ولا بعدد المتابعين، بل بعدد المرضى الذين قد يدفعون ثمنها من صحتهم أو حياتهم. ولقد أدركت المؤسسات الصحية هذه الخطورة عندما أصدرت تحذيرات رسمية متكررة من محتوى طبى جاهل اعتبر مخالفا للثوابت العلمية، وانتهي
الأمر باتخاذ إجراءات تنظيمية لمنع تداوله حماية للصحة العامة والمواطنين. ومع ذلك فإن القضية أعمق من ذلك بكثير… القضية الحقيقية هى لماذا يجد مثل هذا الخطاب المتهور والغريب جمهورًا واسعًا؟ … أعتقد أن الإجابة تكمن فى ثلاثة أمور أولها هو خوف الإنسان عموما من المرض وهذا طبيعى والثانى هو رغبة المرضى الطبيعية فى إيجاد حلول بسيطة لمشكلات يرونها معقدة، أما الثالث فهو أن هناك فجوة واسعة ومتزايدة بين لغة الأطباء ولغة الناس وأنا أعترف بذلك. فالطبيب يتحدث بلغة الاحتمالات والإحصاءات والدراسات، بينما يفضل الجمهور القصص السهلة والحلول السريعة. وبين اللغتين تنشأ مساحة واسعة قد يملأها أحياناً الاجتهاد غير العلمى أو الوهم أو الدجل ، لهذا لا أرى أن مواجهة هذه الظواهر تكون بالسخرية من المرضى أو احتقار من اقتنعوا بها، فالمريض الذى يتمسك بقشة الأمل ليس مذنباً ومن واجبنا أن نقدم له العلم بلغة يفهمها، وأن نشرح له أن الطب ليس معصومًا من الخطأ، لكنه يظل أفضل ما توصل إليه العقل البشرى حتى الآن فالطبيب الحقيقى لا يعد المريض بالشفاء المطلق، والعلم أيضا لا يعده بالمعجزات، لكنه يملك شيئاً أكثر قيمة من الوعود الكبيرة يملك الدليل، ومن دون الدليل المبنى على التجارب المتراكمة عبر عشرات السنين يتحول الطب إلى رأى ويتحول العلاج إلى تجربة ويتحول المريض إلى ضحية. لذلك فإن القضية ليست دفاعاً عن دواء ضد غذاء، ولا عن طبيب ضد طبيب بل دفاع عن مبدأ بسيط قامت عليه الحضارة الحديثة كلها: أن صحة الإنسان أثمن من أن تُبنى على الظن، وأن حياة المريض أكبر من أن تُترك للأمنيات أو للأوهام أو للضلالات الذهنية من رجل فقد عقله.
قد يختلف الأطباء فى التفاصيل وقد تتغير التوصيات الطبية من زمن إلى آخر، لكن شيئاً واحداً لم يتغير ولن يتغير أن الطريق إلى العلاج يبدأ من الدليل، لا من التصديق الغريب فى الامر ان هناك عدد غير قليل من المتعلمين – ولا أقل من المثقفين ومنهم ناس «كبارة» كما نقول فى لغتنا العامية، أمنوا بهذا النظام وروجوا له سواء بفهم أو غير فهم واشعلوا مواقع التواصل الاجتماعى الملعونة بهذه الخرافات، ولأنهم مصدر ثقة تبعهم الغاوون وهم كثر، والمريض يبحث عن قشة يتعلق بها وهو مسكين لا يعرف أنه يسير وهو مغمض العينين الى طريق التهلكة وربما الوفاة لان مريض السكر من النوع الأول اذا أوقف الانسيولين مات.. ومريض الأورام اذا أوقف العلاج الكيماوى مات.. ومريض القلب اذا أوقف ادوية السيولة مات .. ومريض الاكتئاب الذهنى إذا أوقف علاجه قد ينتحر و مريض الربو إذا امتنع عن العلاج يختنق ويموت، ومريض الغدة الدرقية النشطة ان أوقف العلاج يشتعل من الداخل وطريقه معبد الى غرف الرعاية المركزة.. ولا ننسى ان نجيب الريحانى العظيم مات من التيفود لأن علاجه لم يكن قد تم اكتشافه بعد.. وان مريض الدرن كان مآله الموت إذا لم يأخذ العلاج الذى يقرره الأطباء والدليل يا ساده فى أفلام الأبيض والأسود عندما كان أقارب المريضة يعرفون إصابتها فاتن حمامة» بهذا المرض ترحموا عليها حتى قبل ان تموت.
أعزائي.. المريض لا يقرأ مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يتأثر بعدد المشاهدات، ولا يحترم شهرة أصحاب النصائح حتى لو كانوا من المحسوبين على المثقفين، فالسكر لا ينخفض بالمواعظ، والورم لا يختفى بالأمنيات وأمراض القلب والجلطات لا تختفى بالأكل الطيب، وإذا كانت الحكومات والهيئات العلمية قد أغلقت هذا الباب تماما بعد أن رأت ما وراءه، فهل ننتظر ضحايا جددًا حتى نفيق؟ وهل نحتاج إلى جنازات جديدة نشبع فيها لطم ونتجرع الم الفقد كى نقتنع بأن العلم ليس وجهة نظر بل خط الدفاع الأخير بين الإنسان والمرض؟









