فى الأيام الأخيرة تم اكتشاف عدة حالات انتحل فيها أصحابها لأنفسهم لقب طبيب أوطبيبة ومارسوا مهنة الطب بالفعل.. سيدة تحمل ليسانس حقوق، أى درست القانون وتخصصت فيه، لكنها ابتعدت عن القانون عملًا وروحًا فافتتحت مركزًا طبيًا فى مدينة زايد ومارست الطب، وأخرى لا يُعرف عنها أنها نالت شهادة علمية فى أى تخصص، وتغاضت عن ذلك، وافتتحت مركز تجميل وقامت بإجراء بعض العمليات، ومرة تخيب ومرة تصيب، ثم ضبطت وزارة الصحة عدة حالات. أشهر حالات الانتحال أو التزييف، مؤخرًا، كانت لـ«طبيب أمراض قلب» وسط القاهرة.. شاب إلتحق بكلية الألسن بعد الثانوية العامة وفشل، ويحدث ذلك أحيانًا، ولكن هل يعيش-الطالب المفصول- بلا مؤهل جامعى؟ كلا.. لم يَقبل ذلك ولن يعاود الدراسة من جديد..
هناك من لا يبحثون عن بديل عبر وسائل وطرق أقرب إلى ما أطلق عليه مفكرنا الراحل د.حامد عمار «الفهلوة»
وإذا كانت الجامعة فصلته من كلية الألسن فلن يبخل على نفسه، وعلى طريقة «أشرف عبد الباقي» في فيلم عادل إمام عريس من جهة أمنية ، قرر الطالب المفصول ألا يبخل على نفسه بأى شيء، منح نفسه بكالوريوس من نفس الجامعة «عين شمس»، ثم دكتوراه في التخصص الأصعب والأعز بالكلية، قسم أمراض القلب، وبهذه الصفة افتتح عيادة في وسط المدينة، وتوافد المرضى إلى حد الزحام من الذين يعانون، وقيمة الكشف عنده بلغت ألفًا وخمسمائة جنيه، ومبلغ آخر ترضية للممرض حتى لا يترك المسكين ينتظر طويلًا في طابور المنتظرين سنة وراء سنة على هذا النحو، دون أن ينتاب أحد الشك نظارة طبية وبدلة أنيقة، والمهم أن يكون البالطو الأبيض لامعًا ومكويًا بعناية وفوقه السماعة الطبية. وكان يمكن أن يستمر أمر ذلك الرجل لولا أن حكمًا قضائيًا، وصدر من قبل بحقه، وتحركت وحدة تنفيذ الأحكام وأمسكت به، الإجراءات البيروقراطية في هذه الحالة أن يتم فتح ملف المحكوم عليه وإجراءات الأحوال المدنية المعتادة حتى تكشفت الحقيقة كاملة، الرجل لم يدخل كلية طب عين شمس، لا طالبًا ولا خريجًا، لا شئ من ذلك بالمرة.. حكايات انتحال الصفة وممارسة الطب في جانب ضئيل من رحلة الطب في مصر الحديثة.
°°°
قبل حوالي مائتي عام 1828 – أسند محمد على (باشا) إلى كلوت بك، الطبيب الفرنسي تأسيس مستشفى قصر العيني، يكون للعلاج وللتعليم أيضًا، أي كلية طب، كان هناك قبل ذلك ما يسمى «الطب الشعبي» من بعض الوصفات، كان يمارس هذا النوع من العلاج بعض المشايخ وبعض العطارين، فضلًا عن حلاقي الصحة.. لكن محمد على لاحظ ظهور بعض الأوبئة التي تحصد الآلاف وتفنى بعض القرى أحيانًا، فقرر اللجوء إلى الطب الحديث وأعتمد على كلوت بك لتكوين أطباء من أبناء البلد.
كان محمد على بصدد تأسيس دولة حديثة ويريد بناء العديد من المشروعات الكبرى ولديه طموحات واسعة، ولم يكن ممكنا تحقيق ذلك من دون مكافحة الأمراض المتوطنة والأوبئة، وهكذا وضع نظامًا طبيًا صارمًا، من خلاله اكتسب قصر العيني، سمعة طيبة، جعلت الدراسة به حلمًا يراود الكثيرين في مصر وفى عدد من بلدان الشرق، حتى أن كاتبًا في وزن جورجي زيدان، جاء إلى مصر خصيصًا كي يدرس الطب في قصر العيني، ولم يتمكن من ذلك، لصرامة وقوة قواعد الإلتحاق به، فضلًا عن القدرة على مواصلة الدراسة، وحافظ قصر العينى على تلك القواعد عامًا وراء عام.
ذلك هو ما دفع عددًا من شباب مصر السفر إلى أوروبا لدراسة الطب هناك، وانتشرت تلك الظاهرة في مطلع القرن العشرين، وكان السفر كذلك فرصة لإثارة القضية الوطنية فى الخارج، بعد الاحتلال البريطانى لمصر، الذى بدأ تلكؤ بريطانيا فى الجلاء، وكان مفروض أن يخرجوا بعد الاحتلال بعامين أو ثلاثة من الاحتلال، على الأكثر، وكان هؤلاء الذين يَدْرسون فى الخارج يحظون بدعم الخديو عباس حلمى الثاني، الذى كان يريد الخلاص من الاحتلال، والطلاب الذين كانوا يدرسون الطب فى الخارج، كانوا يعودون بعد فترة، يحمل كل منهم لقب «حكيم» والواضح أن بينهم من لم يكن نال شهادة فى الطب، لذا كان بعضهم يكتب على العيادة، درس الطب فى ألمانيا أو النمسا مثلا، لكن لا يقول «خريج الطب»، لأنه لم يحصل على شهادة التخرج، وقضى عدة سنوات ولديه بعض التحصيل، وهنا لم يكن التدقيق موجودًا ولا كان هناك مخاوف، ويكفى ما لديه، وكان المجتمع يتقبل، خاصة فى الأرياف «حلاق الصحة» فما بالنا، بهؤلاء، خاصة أن عدد الاطباء كان محدودًا، ولا ننسى أن تعاملنا مع الطب لم يكن كما هو الآن، ولم يكن هناك طبيب عظام،وكان «المجبراتي» يقوم بدوره، ولم يكن طب النساء والتوليد اتسع، فكانت «الداية» وهكذا.
°°°
الطبيب-حقًا-كان عملة نادرة، وهذا ضَمِن له مكانة اجتماعية مرموقة جدًا ودَخَلًا اقتصاديًا مرتفعًا، فضلا عن مهابة خاصة لدى جهات الدولة ومن يمثلونها فى أى مدينة أو حَيٍّ، وهذا جعل الالتحاق بكلية الطب حِلْمَا يراود أولياء الأمور والطلاب أيضا، وقيل فى الأدبيات الشعبية إن خريج الطب لا بد له من خمسة عين، عيادة وعمارة وعزبة وعروس حسناء وعربة، وكان ذلك فى أربعينيات القرن الماضي، ثم مضت السنوات وجاءت ثورة يوليو، فترسخت المكانة أكثر،ثم توسعنا فى افتتاح كليات الطب، وازداد الطلب عليها، وصارت كلية القمة، ولعبت الصحافة دورًا فى ذلك، وقدمت الأطباء الكبار باحترام وتقدير كبيرين، وصارت كلية الطب أيقونة الشباب والأسَر، حيث تضمن دخلًا مرتفعًا جدًا جدًا فى بعض الحالات، فضلًا عن أن بعض الأسماء التى لمعت انحدرت من أصول اجتماعية بسيطة جدا، مثل د.على إبراهيم وغيره.. فنانات رائعات وشهيرات تزوجن من أطباء كبار، المعروف للرأى العام حالة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، والراحلة هند رستم، وهناك حالات أخرى عديدة، لم يشأ أطرافها أن يعلنوا عن أنفسهم، ولعل رائعة إحسان عبد القدوس «أنف وثلاثة عيون» أن تكون، عكست هذه المكانة للطبيب، وتحولت الرواية إلى مسلسل إذاعى ثم فيلم سينمائيا، فازداد الولع بالالتحاق بكلية الطب واشتد التطلع لدى كثير من الأسر للدفع بالأبناء فى هذ الطريق، حتى صار مجموع الالتحاق بالطب يقترب من 99% فى درجات الثانوية العامة، وفى النهاية أعداد المقبولين بالطب، قد لا يصل إلى 2% من أعداد طلاب الثانوية العامة.
°°°
يجيد بعض المحامين وبعض الإداريين الوصول إلى ثغرة ما فى القوانين واللوائح، يمكن من خلالها الالتفاف على القانون، وهذا ما جرى فى التعليم الجامعي، خاصة كلية الطب، طالب أو طالبة لم تسمح له قدراته ولا جهده بالحصول على المجموع الذى يؤهله للكلية التى يريدها، هنا يكون الحل بالسفر الى الخارج فى جامعات وبلدان لا تعيش عقدة أو وهم كليات القمة.
كانت جامعات مثل السوربون فى فرنسا وكامبريدج فى بريطانيا وهارفارد فى الولايات المتحدة، حلم الطلاب النابهين والمتفوقين، لكن كانت هناك جامعات تمثل طوق نجاة لمن حصلوا على 50% فى الثانوية العامة أو أكثر قليلًا ويريد اصحابها تجنب دخول معهد سنتين، وهؤلاء كانوا عدة مستويات، طلاب الثانوية أدبى كانوا يتجهون إلى جامعة بيروت العربية وهى غير الجامعة اللبنانية، وفى جيلنا كان الالتحاق بهذه الجامعة يكلف مبلغًا يقترب من الالف جنيه، إذا أراد الإلتحاق بالآداب أو الحقوق أو التجارة، لكن لو طمح إلى كلية السياسة كان عليه بالسفر إلى اليمن وقضاء العام الدراسى الأول هناك.
طلاب العلمى من يريد الإلتحاق بكلية الطب أو الهندسة بمجموع أقل من 55%، كان عليه بالسفر إلى الاتحاد السوفيتي، روسيا أو أوكرانيا او رومانيا وهكذا، واستمر ذلك حتى بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.. حين قامت حرب أوكرانيا فوجئ المجتمع ومؤسساته بإعداد طلاب وطالبات الطب هناك، وفى رومانيا أيضا.
ويعود الخريج ويمارس الطب، المجتمع تقبل الأمر على مضض، والمعيار بالنسبة للطبيب كفاءته، هذا ما يحدد اقبال المرضى عليه.
من الناحية العملية لافارق كبير فى الذكاء والمهارات بين من حصل على 90 % فى الثانوية العامة ومن نال 60% مثلًا، الفارق فى المجهود ودرجة التوفيق، وبعض الذين تخرجوا فى طب أوكرانيا او رومانيا نجحوا واثبتوا جدارة.
هؤلاء جميعًا نفذوا من ثغرة فى اللوائح او بحثوا عن فرصة فى الخارج، لكن لم يخالفوا القوانين ولا دخلوا دائرة المحظور او الجرم.
°°°
لكن هناك من لا يبحثون عن بديل ولو فى جامعة خاصة او جامعة أجنبية، كما أن هناك من لا يبحثون عن بديل عبر وسائل وطرق أقرب الى ما أطلق عليه مفكرنا الراحل د.حامد عمار «الفهلوة» هؤلاء لهم تواجد قريب من دائرة الطب، يدخلون تحت مسمى «أخصائى تغذية» أو«أخصائى تخاطب» وهكذا.
المحنة فى أولئك الذين يفضلون الانتحال والتزوير أو التزييف، شهادة مزيفة، ألقاب ومسميات براقة، بالطو ابيض من اى محل فى شارع قصر العينى أو العباسية ومع البالطو سماعة طبية، آخرهم الحالات التى ضبطت الأسبوع الماضي، خاصة ذلك الذى منح نفسه الدكتوراه والأستاذية ثم رئاسة قسم أمراض القلب، وضع نفسه على مقعد الراحل د.حمدى السيد واخرين كبار.. كبار.
وبعد.. تجنبًا للوقوع فى دائرة جلد الذات، التى يفضلها البعض، فإن حالات التزوير تقع فى سائر البلدان وفى مختلف المهن، آخرها الأسبوع الماضى فى واقعة الطيار الكندى المزيف الذى قاد طائرة ركاب تجارية لمدة 16 سنة واكتشف بالمصادفة.
يبقى أن الطب فى مصر الحديثة مفخرة لنا، وهو أحد أبرز جوانب القوة الناعمة، ولدينا أسماء عظيمة من على باشا إبراهيم ونجيب محفوظ (باشا) ومجدى يعقوب ومحمد غنيم وعشرات آخرين.