فى ظل عالم تتصاعد فيه الأزمات وتتشابك خيوطها، تحتضن مدينة إيفيان الفرنسية العريقة المطلّة على بحيرة جنيف فى قلب جبال الألب، اليوم أعمال قمة مجموعة السبع G7 على مدى ثلاثة أيام. ويجمع هذا اللقاء قادة الدول الصناعية الكبرى السبع ، إلى جانب قادة عرب وفى المقدمة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، ودول صاعدة دعوا للمشاركة فى جلسات بحث الأزمات المتشعبة التى تُلقى بظلالها على السلم والاقتصاد العالميين.
ووجه الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، المضيف للقمة، رسالة واضحة إلى شركائه، موضحاً أن فرنسا تعود إلى ريادتها بعد أكثر من خمسين عاماً على مبادرتها بتأسيس مجموعة الست عام 1975. ونبه ماكرون إلى أن الحرية والازدهار والتقدم مستحيلة بدون السلام، مشيراً إلى أن المجموعة ستتناول الأزمات الدولية الكبري، فى مقدمتها الحرب فى أوكرانيا والأوضاع فى الشرق الأوسط، فى وقت تُزعزع فيه الحرب فى إيران الاقتصاد العالمي.
ورسم الرئيس الفرنسى أجندة القمة على ثلاثة محاور: اقتصادية تتعلق بمعالجة الاختلالات فى الإنتاج والتصدير والاستهلاك بين دول العالم، وجيوستراتيجية تستهدف الحدّ من التبعيات المفرطة وتعزيز مرونة سلاسل القيمة ولا سيما المعادن الحيوية، واجتماعية تشمل حماية الأطفال على الإنترنت وتسريع أبحاث مكافحة السرطان.
ووصف المسئولون الفرنسيون قمة إيفيان بأنها قمة «إعادة التقارب» حول القضايا الكبري، فى مقدمتها التعامل مع الأزمات الدولية المتشابكة التى تُلقى بثقلها على الاقتصاد العالمي، لا سيما ما يتصل بإمدادات الطاقة والغذاء.
وتُفتتح القمة بجلسة تجمع قادة المجموعة منفردين، تتلوها فى اليوم الثانى جلسة مخصصة لملف أوكرانيا بحضور الرئيس فولوديمير زيلينسكي، فى ظل تحمّل أوروبا ما يقارب مئة بالمئة من المساعدات المقدمة لكييف، وسط مساع لتشجيع مفاوضات بين موسكو وكييف لإنهاء الحرب.
ثم تعقد جلسة عمل موسعة تضم قادة المجموعة ونظراءهم من الدول العربية المدعوة لبحث الأوضاع فى الشرق الأوسط والمنطقة العربية، فى جلسة تُعدّ من أبرز محطات القمة لما تتناوله من ملفات مصيرية.
ويحتل ملف مضيق هرمز موقع الصدارة لفرنسا فى أجندة القمة، إذ تطرح باريس مقترحاً بنشر تحالف بحرى يُعيد فتح حركة الملاحة فى المضيق، بما يتيح للطرفين الإيرانى والأمريكى الأريحية اللازمة لمواصلة مفاوضاتهما حول القضايا الجوهرية.
وبحسب مصادر مطلعة فى قصر الإليزيه، قمة توافق داخل المجموعة على صياغة مطالب مشتركة موجهة لإيران تشمل برنامجها النووى وبرنامجها الباليستى وسياستها الإقليمية، فضلاً عن تقليص المخاطر المحدقة ببنية الطاقة التحتية وتفادى صدمات مستقبلية فى أسواقها.
وتسعى القمة كذلك إلى دعم جهود التصدير الآمن والأسرع للنفط والغاز، وربما الهيدروجين مستقبلاً، عبر المحيط الهندى والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.
ولا تغيب القضية الفلسطينية عن أجندة إيفيان؛ إذ تعتزم فرنسا رفع توصيات مؤتمر «نداء باريس 2026» لحل الدولتين إلى قادة القمة، تذكيراً بأن الصراع فى فلسطين يظل جذر الأزمة فى المنطقة، لا سيما فى ظل حضور الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى يُعد الطرف الأقدر على ممارسة الضغط على إسرائيل.
ويدعو النداء إلى وقف إطلاق نار دائم فى غزة، وفتح ممرات المساعدات الإنسانية، وإعادة إعمار القطاع، ووقف عنف المستوطنين وأعمال البناء الاستيطاني، ورفض أى مسعى لفصل الضفة الغربية، مع التأكيد على أن حل الدولتين يبقى السبيل الوحيد لإنهاء الصراع الفلسطينى الإسرائيلي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تتصدر جدول أعمال إيفيان أربع أولويات: معالجة الاختلالات فى الاقتصاد الكلى المتمثلة فى تفاوت الإنتاج والتصدير والاستهلاك بين دول المجموعة، والالتزام بجدول أعمال مشترك للنمو المستدام، ومتابعة هذا العمل فى إطار مجموعة العشرين بالتنسيق مع الاقتصادات الكبرى، والاستعانة بخبرة صندوق النقد الدولى لتقييم السياسات الوطنية وتحقيق التوازن المنشود.
كما تناقش القمة ملف المعادن الحيوية وأبعاده المتعلقة بالسيادة الاقتصادية، إلى جانب تسريع أبحاث مكافحة السرطان، وحماية الأطفال على الإنترنت، ودعم الاستثمار التضامنى فى الدول الأكثر هشاشة، فضلاً عن بحث تأمين موقع «تشيرنوبيل» وشبكات الطاقة الأوكرانية.
وبينما تتصاعد أعمدة الدخان فى سماء الشرق الأوسط، وتتطلع شعوب المنطقة إلى إيفيان أملاً فى نهاية للحرب والدمار وفتح طريق نحو السلام المنشود، تبقى القمة فرصةً لا تعوَّض لقادة العالم، تحمل فى طيّاتها ثقلاً من الآمال، والتاريخ شاهد عليهم.









