فى أوقات كثيرة، لا يكون الناس فى حاجة إلى معجزة بقدر حاجتهم إلى لحظة فرح؛ لحظة واحدة تنسيهم بعض ما يحيط بهم من ضغوط ومشاغل، وتمنحهم جرعة أمل تكفى للاستمرار. واليوم يقف ملايين المصريين أمام الشاشات يترقبون تلك اللحظة، منتظرين أن يفعلها رجال مصر وأن يكتبوا صفحة جديدة فى طريق الحلم الكبير.
الحكاية ليست مجرد مباراة كرة قدم، وليست تسعين دقيقة فقط داخل المستطيل الأخضر، بل هى أكبر من ذلك بكثير. نحن نتحدث عن شعب يواجه ظروفاً معيشية واقتصادية دقيقة، وعن أسر تحاول جاهدة التوفيق بين متطلبات الحياة والالتزامات اليومية المتزايدة، وعن مواطن يستيقظ كل يوم ليواجه أعباء جديدة تزيد من حجم الضغوط المعنوية والمادية عليه.
رغم كل هذه التحديات، ما زالت كرة القدم تمتلك قدرة عجيبة على جمع الناس حول هدف واحد؛ فجأة تتراجع المشكلات إلى الخلف قليلاً، وتختفى الخلافات، ويصبح السؤال الوحيد المسيطر على الجميع: هل سنفوز؟
لقد بدأت الاستعدادات منذ الأمس فى كل مكان؛ المقاهى امتلأت بالحجوزات مبكراً، وأصحاب الفراشة جهزوا الشاشات والمقاعد الإضافية لمواكبة الإقبال الكبير، ومحلات الأطعمة والمشروبات استعدت لليلة استثنائية، وكأن الجميع يراهن على أن المصريين لن يشاهدوا المباراة فرادى، بل سيعيشونها معاً كتلة واحدة كما اعتادوا دائماً فى المواعيد الكبرى.
فى الشوارع والأحياء الشعبية، وفى القرى والمدن على حد سواء، هناك حالة انتظار مختلفة تماماً؛ الأطفال يرتدون قمصان المنتخب، والشباب يتبادلون التوقعات والخطط الفنية، والكبار يستعيدون ذكريات الانتصارات القديمة والزمن الجميل، والجميع يتمسك بخيط رفيع من الأمل يربط بين قلوبهم.
ربما يظن البعض أن المبالغة فى ربط الفرح بنتيجة مباراة أمر غير منطقي، لكن الحقيقة أن الشعوب تحتاج أحياناً إلى مناسبات ترفع الروح المعنوية وتجدد الطاقات. فالفوز بالتأكيد لا يحل أزمة اقتصادية، ولا يسدد الفواتير، ولا يخفض الأسعار، لكنه يمنح الناس شعوراً دافئاً بأن هناك ما يستحق الابتسام، وأن الجهد يمكن أن يثمر فى النهاية.
لأن المصريين بطبيعتهم يعشقون الفرح ويبحثون عنه فى كل مناسبة، سواء فى نجاح ابن، أو زفاف قريب، أو انتصار رياضى، تتحول مباريات المنتخب دائماً إلى قضية عامة، يتابعها من يفهم فى الكرة ومن لا يفهمها، لأنها ببساطة أصبحت جزءاً أصيلاً من وجدان الناس وهويتهم الجماعية.
الليلة لا ينتظر المصريون المستحيل، وكل ما يطلبونه هو أن يقاتل اللاعبون بجدية من أجل الشعار الذى يرتدونه، وأن يشعروا بأن من فى الملعب يدرك تماماً حجم الآمال المعلقة على أقدامهم، فالناس بطبعها لا تغضب من الخسارة بقدر ما تغضب من غياب الروح والاستسلام داخل المستطيل الأخضر.
يبقى السؤال معلقاً فى الفضاء حتى صافرة النهاية: هل يفعلها الفراعنة؟ هل ينجحون فى منح أكثر من 120 مليون مصرى ليلة مختلفة ينامون فيها وهم أكثر سعادة وأقل قلقا؟
ربما تكون كرة القدم مجرد لعبة فى نظر البعض، لكنها بالنسبة لشعب كامل قد تصبح الليلة سبباً فى رسم ابتسامة واسعة على ملايين الوجوه المتعبة. ولهذا، وقبل أن تبدأ المباراة، لا يملك المصريون سوى الأمنيات والدعوات الخالصة، أما الباقى فسيكتبه رجال المنتخب داخل الملعب بعرقهم وجهدهم. وإذا تحقق الحلم، فربما نستيقظ غداً على بلد لم تتغير مشكلاته الاقتصادية، لكنه بالتأكيد سيكون أكثر تفاؤلاً.. وأكثر قدرة على مواصلة الطريق.









