كثيرًا ما نسمع شعارات المساواة تُرفع فى كل مكان، سواء كانت بين الرجل والمرأة أو بين أفراد المجتمع بعضهم البعض، لكن الواقع كثيرًا ما يكشف مفارقة غريبة؛ فبينما يتحدث البعض عن المساواة، نجدهم فى الوقت نفسه يصنعون أشكالاً جديدة من التفرقة والتمييز. وهنا يبرز سؤال مشروع: عن أى مساواة يتحدثون؟ لقد خلق الله الناس متفاوتين فى الأرزاق والقدرات والمواهب والمكانات، فقال سبحانه: «وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ». وهذا التفاوت ليس ظلمًا ولا عبثًا، وإنما حكمة إلهية واختبار لكل إنسان فيما أُعطي. ولو تأملنا تفاصيل الحياة اليومية لوجدنا أن فكرة التدرج موجودة فى كل شيء تقريبًا؛ ففى الطائرات درجات مختلفة، وفى القطارات درجات متعددة، وفى الفنادق مستويات متنوعة، بل وحتى فى أبسط الخدمات والسلع. ومع ذلك فإن الوجهة النهائية غالبًا واحدة، لكن الفارق الحقيقى يكون فى مقدار الراحة أو الامتيازات التى يحصل عليها من يدفع أكثر. وقد امتد هذا الأمر إلى كثير من جوانب الحياة، حتى أصبح المال هو العامل الفاصل بين الناس فى كثير من الأحيان. وأصبح البعض يربط القيمة الإنسانية أو المكانة الاجتماعية بحجم الثروة أو النفوذ أو الشهادات أو المظاهر الخارجية، بينما يغفل المعيار الحقيقى الذى يزن به الله عباده. فمراتب الناس عند الله ليست كمراتبهم عند البشر. فالناس قد يوقرون الغنى لقوته المالية، أو صاحب المنصب لنفوذه، أو صاحب الجمال لمظهره، أما الله سبحانه وتعالى فإن ميزانه مختلف تمامًا؛ فهو ينظر إلى القلوب والأعمال، ويُعلى شأن أصحاب التقوى والإخلاص والنفوس الطيبة. إن التفاوت الذى خلقه الله بين عباده ما هو إلا اختبار؛ فالغنى ممتحن فى ماله، هل ينفقه فى الخير أم يبخل به؟ وصاحب المنصب ممتحن فى سلطته، هل ينصر المظلوم ويقيم العدل أم يستغل نفوذه لمصالحه الشخصية؟ وصاحب العلم ممتحن فيما يعلم، هل ينفع الناس بعلمه أم يحتكره لنفسه؟ فكل نعمة يمنحها الله للإنسان ليست امتيازًا مطلقًا، بل مسئولية وأمانة. وإذا أُسيء استخدامها أو مُنعت عن مستحقيها، فقد تتحول من نعمة إلى نقمة. ولذلك فإن المال والسلطة والعلم والجاه ليست غايات فى حد ذاتها، وإنما وسائل لخدمة الناس وتحقيق الخير فى الأرض. من هنا نفهم معنى قوله تعالى: «وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ سُخْرِيًّا»، أى أن الله سخّر الناس بعضهم لبعض ليكمل بعضهم بعضًا، وليقوم كل فرد بدور يسهم به فى عمران الحياة وخدمة الآخرين، لا ليكون ذلك سببًا للتعالى أو الاستعلاء. إن المشكلة ليست فى التفاوت الذى أراده الله بحكمته، وإنما فى التمييز الذى يصنعه البشر حين يجعلون المال أو المنصب أو المظهر معيارًا للقيمة والاحترام. فالتدرج الإلهى قائم على الابتلاء والتكليف، أما التفرقة البشرية فكثيرًا ما تكون سببًا للحسد والكراهية والصراع. وفى النهاية، يبقى المعيار الأصدق والأبقى هو ما أعلنه الله بوضوح: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ». فالتقوى والعمل الصالح هما أساس التفاضل الحقيقي، أما كل ما سواهما فزائل لا يبقى منه إلا أثر ما قدمه الإنسان من خير للناس.









