لم تكن مشكلة الباعة الجائلين يوما مجرد قضية تتعلق بإشغال الطريق أو التكدس المرورى، بل كانت تعكس تحديا أكثر تعقيدا يرتبط بحق المواطن فى العمل الكريم، وحق المجتمع فى الاستمتاع بشوارع منظمة وآمنة، ومن هذا المنطلق، يأتى افتتاح سوق بولاق الدكرور الحضارى ليقدم نموذجا عمليا لكيفية تحقيق التوازن بين الطرفين دون إقصاء أو تضييق.
لسنوات طويلة تحولت بعض الشوارع الحيوية، وفى مقدمتها العريش وضياء، إلى مساحات مفتوحة للبيع العشوائى والمعاناة المرورية حيث امتدت البضائع إلى الأرصفة وكامل نهر الطريق وتراجعت قدرة المارة والسيارات على التحرك بحرية، ورغم أن تلك الظاهرة على مدار سنوات وفرت مصدر رزق لعدد كبير من الأسر، إلا أنها فى المقابل فرضت كابوسا يوميا على المواطنين وسكان الشارع والمنطقة وأثرت على المظهر الحضارى.
اليوم تبدو الصورة مختلفة مع افتتاح سوق بولاق الدكرور الحضارى بمنطقة كفر طهرمس، فى خطوة تعكس رؤية تستند إلى التنظيم لا المنع، وإلى توفير البديل لا الاكتفاء بإزالة المشكلة من مكان إلى آخر، فالسوق الجديد لا يمثل مجرد مجموعة من المحال التجارية، بل يعد مساحة إنسانية واقتصادية تمنح البائع فرصة للعمل فى بيئة آمنة ومنظمة، وتحفظ للمواطن حقه فى التسوق داخل مكان مجهز ومريح.
أهمية المشروع لا تتوقف عند توفير 30 محلاً مجهزاً بالكامل أو تسكين 93 بائعا كمرحلة أولى، وإنما تمتد إلى الرسالة التى يحملها المشروع فى حد ذاته، وهى أن التنمية الحقيقية لا تتحقق بإبعاد الفئات البسيطة عن المشهد، وإنما بادماجها داخل منظومة حضارية تحقق مصالح الجميع، فالبائع الذى كان يفترش الشارع أصبح يمتلك مكانا آمنا لممارسة نشاطه، والمواطن الذى كان يعانى الزحام بات قادرا على التحرك بحرية أكبر وأصحاب الشقق السكنية فى راحة بال وهدوء.
كما أن نجاح المحافظة فى إعادة الانضباط المرورى إلى شارعى العريش وضياء يؤكد أن وجود البديل المناسب كان العامل الحاسم فى إنهاء الأزمة، فالمشكلة لم تكن فى البائع بقدر ما كانت فى غياب المكان الملائم الذى يستوعب نشاطه التجارى بصورة منظمة، ويبقى الرهان الحقيقى خلال المرحلة المقبلة على استثمار الموقع المتميز للسوق والحفاظ عليه وتعميم التجربة.
إن الحفاظ على النظافة والمظهر الحضارى للسوق يمثل مسئولية جماعية، لأن نجاح التجربة لن يقاس بعدد المحال أو الباعة الذين تم نقلهم فقط، بل بقدرتها على الاستمرار وتحقيق المعادلة الصعبة، مكان آدمى يحفظ كرامة البائع، ومنتجات بأسعار مناسبة، وشوارع أكثر نظاما تعكس صورة حضارية تليق بالمواطن المصرى.









