دائما هناك إشكالية فى الطريقة التى تنظر بها الدول الكبرى – والتى تلقب نفسها «بالعالم الحر» – لمفاهيم ومصطلحات من عينة «حقوق الإنسان» و«الإرهاب» و «حرية التعبير» وغيرها من مصطلحات تضيق وتتسع بحسب رؤية تلك الدول لها، إشكالية قد تصل إلى إزدواجية فى النظرة والمعايير.
بعد قراءتى لتقرير قصير نشرته مؤخرا صحيفة الجارديان البريطانية وجدت الأسئلة تطرح نفسها: كيف تنظر بريطانيا مثلا إلى مصطلح «حقوق الإنسان»؟، ماذا يعنى لها؟، وكيف توصف «جريمة الحرب»، وكيف تنظر لفكرة «احتلال الأرض» من الأساس وحق أصحاب الأرض فى مواجهة المحتل؟ كانت هذه الأسئلة، أما التقرير الذى نشرته الجارديان وأدى إلى طرحها فكان عن اتهامات جديدة فى المملكة المتحدة، أثارت جدلا واسعا حول أنشطة عدد من الجمعيات الخيرية البريطانية، بعد الكشف عن تحويلها ملايين الجنيهات الإسترلينية إلى مؤسسات ومشاريع مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية المحتلة بحسب تقارير بريطانية وأممية، قالت الجارديان: إن النائبة العمالية البريطانية ميلانى وارد، كشفت عن 32 جمعية خيرية مسجلة فى إنجلترا وويلز قدمت ما لا يقل عن 28 مليون جنيه إسترلينى لدعم جهات تعمل داخل المستوطنات الإسرائيلية أو ترتبط بها، رغم أن هذه المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولى وفقا للأمم المتحدة.
رغم أن المملكة المتحدة قررت الاعتراف بدولة فلسطين فى الجمعية العامة فى خطوة جريئة أثارت غضب إسرائيل والولايات المتحدة ورغم أن الحكومة البريطانية نفسها قامت بتكليف هيئة الأعمال الخيرية بفتح تحقيق فى الروابط المحتملة بين بعض المؤسسات الخيرية البريطانية والمستوطنات الإسرائيلية، لكن رغم ذلك فالواقع يقول إن هناك دعماً حقيقياً للممارسات الاستيطانية فى الأرض المحتلة ودعم المستوطنات لا يمكن اعتباره نشاطا خيريا يخدم المصلحة العامة البريطانية، وأى تمويل يذهب إلى مشاريع تدعم بقاء المستوطنات أو توسعها قد يُستخدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة فى تعزيز أوضاع تعتبرها جهات دولية انتهاكا للقانون الدولى ناهيك عن أن هذه الجمعيات يأتى جزء من تمويلها من دافعى الضرائب البريطانيين.
إذا كيف نفسر ذلك؟ فى رأيى أن كلمة السر هى الدولة العميقة فى بريطانيا، القناعات الراسخة فى الذهنية البريطانية والتى غالبا غير معلنة، الإمبريالية القديمة مازالت لها جذور حتى ولو كانت خفية، جذور ترى أن التعاطف مع المحتل ودعمه واجب وعمل خيرى وتجمع له الأموال التى تتدفق إلى المستوطنات والبؤر الاستيطانية لتسهم فى تعزيز وجودها واستمرار الجرائم بحق أصحاب الأرض من الفلسطينيين وزيادة أعمال العنف بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.
هذا لا يمنع من وجود أصوات داخل المملكة المتحدة تحقق فى مثل هذه الخروقات التى تدعم العنف وتزدرى حقوق الإنسان وتغذى الكراهية، وأصوات تشن الحملات لدعم الموقف القانونى الدولى الرافض للاستيطان الإسرائيلى فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وإلا ما كانت لتصل لنا الواقعة، كما أن الموقف المعلن من الحكومات البريطانية المتعاقبة يعتبر بناء المستوطنات وتوسيعها يتعارض مع القانون الدولى، ويتزايد التدقيق مؤخرا داخل بريطانيا وأوروبا بشأن مصادر تمويل الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، وسط مطالب من منظمات حقوقية وبرلمانيين بفرض رقابة أشد على التدفق المالى الذى قد يستخدم فى دعم مشاريع أو جهات تعمل فى الأراضى المحتلة.. لكن رغم كل ذلك يبدو أن هناك ما يحدث فى الخفاء، سياسة صنعتها الثقافة والموروث أو سياسة ترسم من وراء ستار حتى ولو كان ستار الجمعيات الخيرية، وفى الأخير هى سياسة عدائية تقوض السلم العالمى.
الوضع فى الضفة الغربية المحتلة يزداد سوءاً على مسمع ومرأى من العالم، الهجمات على القرى والأراضى الزراعية الفلسطينية ارتفعت بحسب آخر التقارير بنسبة 130 ٪ منذ عام 2023، وشملت اعتداءات نفذتها مجموعات من المستوطنين الملثمين، وتواجه قوات الأمن الإسرائيلية اتهامات بمرافقة المستوطنين وتوفير الحماية لهم أثناء تنفيذ الهجمات، هذا النمط من العنف أدى إلى مقتل وإصابة وتشريد أعداد متزايدة من الفلسطينيين، وثقت الأمم المتحدة مقتل 7 منهم وإصابة أكثر من 800 خلال العام الماضى وحده، مع استمرار الهجمات بوتيرة شبه يومية خلال 2026، وبدلا من اتخاذ موقف دولى فاعل وصريح – وليس رمزياً – يتفق مع القانون الدولى يوقف هذه الاعتداءات، نكتشف واقعة تمويل للمستوطنين فى دولة عضو دائم فى مجلس الأمن!
الخلاصة أن قيم الحق والعدل وحقوق الإنسان فى عالم تحميه القوة وحدها تصبح مع الأسف مصطلحات مطاطية تستخدم حسب الحاجة والهدف والمعنى بهما.









