بين أروقة جامعة «السوربون» العتيقة وهيبة متحف «اللوفر»، لم تكن زيارة الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، إلى باريس مجرد جولة عمل رسمية، بل كانت جسراً يربط بين عراقة الحضارة المصرية وروح العاصمة الفرنسية الحديثة.
ذهبت وزيرة الثقافة إلى فرنسا وهي لا تحمل حقيبة وزارية فحسب، بل تحمل في جعبتها تاريخ أمة؛ تسعى لأن تجعل من الثقافة المصرية بـصورها، وكلماتها، وفنونها، لغة عالمية عابرة للحدود، تعيد صياغة الحضور المصري على الساحة الدولية.
وقد اختتمت الدكتورة جيهان زكي زيارة عمل رسمية مكثفة إلى باريس، امتدت في الفترة من 9 إلى 13 يونيو 2026، شهدت حراكاً دبلوماسياً وأكاديمياً استهدف ترجمة المباحثات الثنائية السابقة مع الجانب الفرنسي إلى اتفاقات تنفيذية ملزمة، وصياغة خطة عمل مشتركة لتدشين مشروعات تنموية مستدامة في مجالات السينما، والنشر، والتراث الرقمي، والفنون السمعية البصرية.
واعتمد هذا التحرك الدولي على المرجعية الأكاديمية الرفيعة للوزيرة، باعتبارها أستاذاً للحضارة المصرية القديمة وباحثة بمركز البحوث العلمية بجامعة السوربون، مما أسهم في تفعيل قنوات الاتصال المباشر مع صناع القرار الثقافي والمؤسسات الفكرية في فرنسا، والانتقال بالتعاون الثنائي نحو مشروعات ذات عوائد إجرائية واستثمارية تخدم الرؤية التنموية للدولة المصرية، وتدعم ملفات الهوية الوطنية وحفظ الذاكرة الجمعية.
الدبلوماسية الثقافية: استثمار الأصول المعرفية
ارتكزت جولة وزيرة الثقافة في العاصمة الفرنسية على خطة عمل موحدة وواضحة المستهدفات؛ لتعظيم الاستفادة من الأصول الثقافية والتراثية، وتوظيفها كطاقات تنموية تدعم الصناعات الإبداعية. وشملت اللقاءات قطاعات حيوية متعددة ركزت على وضع جداول زمنية محددة للتنفيذ، وجذب شراكات دولية توفر التمويل والدعم الفني المباشر للمشروعات الثقافية القومية، بما يضمن حماية الهوية التراثية وتحقيق التنافسية الدولية للمنتج الفكري المصري المعاصر.
وأكدت الدكتورة جيهان زكي أن صون التراث غير المادي وبناء اقتصاديات الثقافة المستدامة يعدان ركيزة أساسية لتحويل الأصول المعرفية إلى طاقات تنموية حية، مشيرة إلى أن قطاعات وهيئات وزارة الثقافة كافة قد بدأت تنسيقاً داخلياً متكاملاً للعمل بروح الفريق الواحد، استعداداً لتفعيل هذه الشراكات ميدانياً فور بدء الزيارات العكسية للوفود الفرنسية المرتبة إلى القاهرة.
مصر ضيف شرف معرض باريس للكتاب 2027
وفي قمة التحركات الرسمية للزيارة، عقدت الدكتورة جيهان زكي جلسة مباحثات موسعة بمقر وزارة الثقافة الفرنسية بباريس مع نظيرتها الفرنسية، كاثرين بيجارد؛ تفعيلاً للمباحثات الثنائية التي جرت سابقاً في القاهرة، واستكمالاً لوضع الآليات التنفيذية للمشروعات والرؤى المشتركة.
وأسفرت الجلسة عن الاتفاق على اختيار “جمهورية مصر العربية ضيف شرف الدورة المقبلة لمعرض الكتاب الفرنسي 2027”، مما يمنح الدولة المصرية منصة دولية بارزة لاستعراض حراكها الفكري، والأدبي، والتنموي. كما تناولت المباحثات إحياء الإرث الثقافي المشترك الذي أسس له وزير الثقافة الأسبق الدكتور ثروت عكاشة ونظيره الفرنسي أندريه مالرو؛ حيث تم الاتفاق على تنظيم فعاليات ثقافية وفكرية مشتركة لمدة يومين في القاهرة وباريس احتفاء باليوبيل الذهبي لرحيل مالرو وتأكيداً على مفهوم الثقافة الجماهيرية. وامتدت الجلسة لتشمل التنسيق بشأن قطاعي النشر والسينما، وصياغة جداول زمنية واضحة تتابعها الوزيرة الفرنسية خلال زيارتها المرتقبة للقاهرة.
«السينماتيك المصري»: حماية الذاكرة البصرية
وفي إطار حماية الذاكرة البصرية للدولة المصرية كقضية أمن قومي ثقافي، عقدت الدكتورة جيهان زكي جلسة مباحثات استراتيجية مع جيتان برويل، رئيس المركز الوطني للسينما والصورة المتحركة الفرنسي (CNC)، بمقر المركز في باريس. وتصدرت ملفات تأسيس “السينماتيك المصري” وتدشين “متحف السينما” رأس مناقشات الجانبين؛ لنقل الخبرات الفنية والتكنولوجية في مجالات ترميم الأفلام وإعادة إحياء الأرشيف السينمائي القومي.
وأسفر اللقاء عن البدء الفوري في إعداد بروتوكول تعاون مشترك يمثل نقطة الانطلاق الرسمية والعملية لتنفيذ المشروع، ويدرس الأطر التشريعية والتنظيمية الفرنسية في تمويل الفن السابع، مع توفير آليات تمويل ودعم فني واستثماري فرنسي مباشر دون تحميل الموازنة العامة للدولة أعباء إضافية، فضلاً عن حماية الهوية الثقافية وتطوير البيئة الاستثمارية للصناعات الإبداعية المصرية لتعزيز تنافسيتها دولياً.
ولتحقيق الاستدامة المهنية والمعرفية، تم الاتفاق على صياغة آليات عملية لإطلاق ورش عمل متخصصة في فنون السيناريو، والإخراج، والتقنيات البصرية الحديثة بالتعاون مع الـ (CNC)، تستهدف الكوادر الشابة في مختلف المحافظات والأقاليم المصرية؛ لضمان عدالة الفرص الإبداعية، وتوسيع قاعدة الإنتاج الثقافي خارج العاصمة، وتمكين المبتكرين الشباب من أدوات الفن المعاصر لتقديم المحتوى الثقافي المصري برؤية بصرية توازن بين أصالة الرواية وعالمية الطرح.
متحف اللوفر: منبر لإحياء كنز «بيجة» المنسي
وفي سياق تفعيل المسار الأكاديمي للدبلوماسية الثقافية المصرية، ألقت الدكتورة جيهان زكي محاضرة علمية رفيعة المستوى بـ “أوديتوريوم متحف اللوفر” في باريس، حظيت باهتمام دولي وأكاديمي واسع، جاءت تحت عنوان: “جزيرة بيجة… إحياء كنز منسي: أسرار تنقيب أثري على نهر النيل”.
تناولت الوزيرة الأهمية التاريخية والأثرية والجغرافية الفريدة لمنطقة الشلال الأول في أسوان، وسلطت الضوء على المواقع الأثرية العريقة بالمنطقة وتاريخها الممتد، مستشهدة بمخطوطات كبار الجغرافيين والمؤرخين العرب والمسلمين، مثل الإدريسي في كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”، والمسعودي في “مروج الذهب”، وياقوت الحموي في “معجم البلدان”، مستعرضة كيف وثقت هذه المراجع مدينة بلاق التاريخية، والمنطقة المحيطة بجزيرتي فيلة وبيجة باعتبارها محطة التقاء تجارية وثقافية بارزة تنتهي عندها سفن النوبة وتبدأ منها سفن المسلمين.
وقدمت الوزيرة عرضاً بصرياً وثائقياً تضمن صوراً وخرائط طبوغرافية فرنسية قديمة، ونصوصاً توثق جغرافيا الجنادل النيلية، مبينة القيمة الأثرية لجزيرة “بيجة” التي عانت من النسيان لسنوات طويلة رغم أهميتها التاريخية كجزيرة مقدسة في العصور القديمة، ومؤكدة أن أعمال التنقيب والبحث العلمي الجارية تسعى لإعادة البريق المعرفي للمنطقة. وأطلقت الوزيرة من قلب اللوفر دعوة دولية لتعزيز الشراكة وصون هذا الإرث الإنساني المشترك، تلتها مباحثات رسمية مغلقة مع إدارة متحف اللوفر أسفرت عن تأسيس آلية تعاون علمي مشترك لدعم أعمال التنقيب والبحث الأثري الجارية بالمنطقة.
توأمة مع «بومبيدو» وإتاحة أرشيف «معهد العالم العربي»
وفي إطار حرص وزارة الثقافة على كسر مركزية العمل الثقافي وتحقيق مبدأ “العدالة الثقافية”، استهدفت الزيارة تحويل المقاربات الفكرية الدولية إلى مشروعات ميدانية تخدم الشباب في مختلف محافظات وقرى مصر، من خلال نقل الخبرات والتقنيات العالمية إلى الأقاليم.
وتجسد ذلك في اللقاء الذي جمع وزيرة الثقافة بلوران لو بون، رئيس “مركز بومبيدو” للفن المعاصر في باريس، حيث تم بحث ملفات الفن المعاصر وأطروحة “التصميم الشامل وحوكمة الوجدان البصري” وآليات صياغة الهوية البصرية للمجتمعات الحديثة كأداة لصناعة الوعي ومحاربة التلوث البصري في الفراغات العامة. وأثمر الاجتماع عن نتائج إجرائية محددة، حيث تم الاتفاق على إطلاق برنامج توأمة فني وتقني يربط مركز بومبيدو بوزارة الثقافة، بما يضمن توفير كوادر وطنية مؤهلة تقنياً للمساهمة في مشروعات الهوية البصرية وتطوير المدن المصرية الجديدة والقائمة. كما أسفر اللقاء عن تخصيص مساحات عرض ومنصات رقمية دورية بالمركز في باريس للمنتج الفكري والفني لهؤلاء الشباب؛ لدمجهم في سوق الصناعات الإبداعية العالمية دون أعباء مالية على الموازنة العامة.
وفي سياق متصل، التقت وزيرة الثقافة برئيسة معهد العالم العربي بباريس آن كلير ليجندر، لبحث سبل توسيع الشراكة في مجالات الإبداع المعاصر وصون التراث. وأسفر اللقاء عن الاتفاق على استغلال أرشيف المعهد الضخم للأفلام المصرية لتنظيم فعاليات سينمائية في باريس، إلى جانب إتاحة محتويات المعهد الفكرية والأفلام المترجمة ليتم بثها وعرضها ضمن الأنشطة الثقافية في “قصور الثقافة” بالمحافظات والقرى المصرية؛ لرفع وعي الشباب وإتاحة الفنون الرفيعة للجميع خارج حدود العاصمة.
شراكة أكاديمية بالسوربون ورقمنة بـالمكتبة الوطنية
وفي ملف صون التراث المعرفي وتعظيم الموارد الذاتية للمؤسسات الثقافية، عقدت الدكتورة جيهان زكي جلسة مباحثات موسعة بمقر المكتبة الوطنية الفرنسية (BNF) مع رئيسها المؤرخ البارز جيل بيكو، لبحث مسارات التعاون في مجالات رقمنة الكتب والمخطوطات التاريخية النادرة.
وركز اللقاء على دراسة النماذج الاستثمارية الحديثة لتحسين الموارد والدخل الذاتي للمؤسسات الثقافية من خلال تسويق وإتاحة الصور النادرة والوثائق التاريخية رقمياً، بما يضمن تحقيق الاستفادة المثلى من الاستثمار التكنولوجي لخدمة الباحثين وتنافسية القوى الناعمة المصرية دولياً. وتأكيداً على تحويل الشراكة إلى واقع تنفيذي، وجهت الوزيرة الدعوة رسمياً للمؤرخ جيل بيكو لزيارة مصر نهاية العام الجاري؛ لتفقد دار الكتب والوثائق القومية والهيئة المصرية العامة للكتاب باعتبارهما الجهتين التنفيذيتين للمشروع.
وامتداداً لبناء القدرات البشرية وتفعيل المسار المعرفي للدبلوماسية الثقافية، عقدت وزيرة الثقافة اجتماع عمل مع دانيال موشارد، رئيس جامعة “السوربون الجديدة” بمقر الجامعة في باريس، ركز على استراتيجيات تطوير الصناعات الثقافية والإبداعية في مجالات السينما، والمسرح، والفنون السمعية البصرية، والدراما. واستهدف اللقاء بحث آليات المزج بين العمق الأكاديمي الدولي والممارسة الميدانية؛ للاستفادة من نموذج جامعة السوربون الجديدة في ربط العلوم الإنسانية بالفنون الحية لبناء قدرات جيل جديد من الكتاب والسينمائيين في الأقاليم المصرية.
أوركسترا باريس ونشر فاخر مع «آسولين»
وفي إطار تطوير التعليم الفني وبناء القدرات، عقدت الدكتورة جيهان زكي لقاءً مع كلارا واجنر، المديرة المسؤولة عن العلاقات المؤسسية والدولية بمدينة الموسيقى – أوركسترا باريس، ورئيسة الكونسرفاتوار الوطني الفرنسي؛ لبحث سبل دعم التعاون الأكاديمي المشترك من خلال تفعيل برامج التبادل وإيفاد طلاب من “المعهد العالي للكونسيرفاتوار المصري” إلى المؤسسات الفرنسية المتخصصة واكتساب الخبرات الفنية المتنوعة، بالإضافة إلى التنسيق لتنظيم حفلات وعروض موسيقية مشتركة تدعم الفضاء الثقافي الأورومتوسطي وتتيح الإبداع للجمهور العام.
واستكمالاً لصياغة سردية بصرية تليق بمشروعات مصر القومية وحركتها في الفن الحديث، بحثت وزيرة الثقافة مع إدارة دار نشر “آسولين” (Assouline) العالمية فتح مسارات تعاون استراتيجي لإنتاج إصدارات وموسوعات وثائقية فاخرة فائقة الجودة، توظف الخبرات العالمية للدار لتسويق وجه مصر التنموي المعاصر وحركتها الفنية في كبرى المنصات والمحافل الدولية.
رؤية متكاملة العناصِر
وهنا يمكن القول إن لقاءات الدكتورة جيهان زكي في باريس لم تكن محض مباحثات دبلوماسية متفرقة، بل كانت فصولاً في رؤية واحدة متكاملة الأركان؛ فمن مشروع “السينماتيك” وحلم متحف السينما، مروراً بتوأمة “بومبيدو”، وصولاً إلى المخطوطات الرقمية ونفائس النشر الفاخر؛ تتشكل أمامنا ملامح استراتيجية ثقافية تتجاوز الحدود، لتؤكد للعالم أن مصر تظل كما كانت دوماً، قوة تنويرية عالمية.













