مازلت أسبح فى نهر المعرفة العميق الذى حفره وشق مساراته مفكرون وعلماء وفلاسفة مصريون، أتجول بين جنبات فلسفات أديبنا الفيلسوف زكى نجيب محمود، كنت أفكر فى حكمة الصمت ووصلت إلى خلاصة أن الصمت كاريزما كما للغياب، لكن اكتشفت أننى كنت مولعا بفكرة الشكل ولم أتطرق إلى المضمون والحكمة الحقيقية وراء فضيلة الصمت الذى وصفوه بأنه من ذهب إذا كان الكلام من فضة، لكن الأديب الكبير زكى نجيب محمود أجاب واستفاض فى إجابته عن تساؤلاتى الصامتة وهو يبحث فى نظرية حكمك البوم الذى يتخذه البعض رمزا للتشاؤم بينما الحقيقة مغايرة تمامًا.
>>>
يقول زكى نجيب محمود «تتَّخذ البومة شعارًا للحكمة وبُعد النظر؛ تراها مرسومة على الكتب أحيانًا ليدُل الناشر على ما تحويه كتبه فى بطونها من حكمة خالدة؛ وتراها مُصوَّرة فى إعلان تُذيعه الحكومة الإنجليزية فى بلادها هذه الأيام، لتُحفِّز شعبها على الادخار، تمثلا – فيما ينطوى عليه الادخار من حكمة – بالبومة التى شهد لها الناس منذ الأزل بصدق النظر.
>>>
وحدث أنى كنت أقرأ كتابًا منذ أمَد قريب، وكانت البومة على غلافه شعارًا للناشر، فسألت نفسي: ليت شعرى لماذا اتُّخذ هذا الطائر المشئوم رمزًا للحكمة؟ أيكون ذلك لهاتين العينين المفتوحتين اللتين لا ينسدل عليهما الجفنان فى ظلمة المساء، كما تنسدل الأجفان عند عباد الله من إنس وجانٍّ؟ أتكون هاتان العينان المفتوحتان قد أغْرَتا الرامزين أن يتَّخذوا من دوام الإبصار دليلا على سداد البصيرة وبُعد النظر؟
أم يكون ذلك لما تُعانيه البومة فى الليل من سهر ورعاية للنجوم بما فيهما من همٍّ وتسهيد، حين يكون الخلِيُّون فى مَخادِعهم نُوَّمًا غافلين عن الطبيعة بكل ما فيها أثناء الليل من جلال وجمال؟
أم تكون هذه الجِلسة الساكنة الهادئة الرزينة الرصينة، التى لا تكاد تعرف الحركة، هى التى أغْرَت الرامزين أن يُشيروا بها إلى التأمُّل العميق والتفكير الدقيق، فاتَّخذوا البومة شعارًا لهذا كله؟
ذلك ما حدَّثت به نفسى حين نظرت إلى صورة مرسومة على غلاف الكتاب؛ لكن فكرة جديدة أُوحى بها إليَّ فأشرقت عليَّ بالأمس القريب، إذ كنت أسير فى الطريق مُفكِّرًا فيما أنا فيه مما تضطرب له النفس عند أشد الناس ضبطًا لنفسه وإمساكًا بزمام أعصابه؛ فقد تعذَّرت عليَّ متابعة فكرى لكثرة ما فى الطريق من أصوات؛ وعندئذٍ حلا لى – وقد تعطَّل الفكر – أن أعُد هذه الأصوات، وآخذ فى تبويبها وترتيبها، فإذا بى أبلغ فى عَدها المئات!»
>>>
وبغتةً قفزتُ قفزة خفيفة لو رآها الناس لقالوا مسَّه الجنون، وصِحت لنفسى – كما فعل أرشميدس فى زمانه – صِحت قائلاً: وجدتها وجدتها! وجدت العلة فى اتخاذ البومة شعارًا للحكمة ورمزًا لبُعد النظر؛ العلة هى الصمت؛ بل وجدت العلة.
أى والله، لقد صدق من قال إنه إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب؛ وأنا أُريد هنا بالكلام والسكوت أوسع ما يُفهَم من هاتين اللفظتين من معني؛ فإذا فهمت من اللفظتين معناهما الواسع، أدركت ما أُريد أن أسوقه إليك حين أُنبِّئك أن الصمت هو السر فى حكمة البوم، وأن الجلَبة هى التى أعقمت بلادنا عن إنجاب المُصلِحين العاملين» نكمل غدا.









