إلى متى يظل العالم تحت رحمة البيت الأبيض وتحديدًا الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وحالته المزاجية التى تتغير وتتبدل من ساعة لأخرى.. فقد شهد العالم مساء أول أمس ساعات عصيبة بدأت بتهديد ترامب بضرب إيران «الليلة» وبعد ساعتين ونصف الساعة تقريبا خرج للعالم عبر منصته الرقمية الخاصة «تروث سوشيال» ليعلن إلغاء الضربات الجوية.. وقال: «استنادًا إلى وصول المحادثات مع إيران إلى أعلى مستويات القيادة وموافقتها، فقد ألغيتُ، بصفتى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، الضربات والقصف المقررة ضد إيران وقد حظيت المحادثات والنقاط النهائية، من حيث المفهوم والتفصيل، بموافقة جميع الأطراف المعنية، بما فى ذلك الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل والإمارات والسعودية وقطر وتركيا وباكستان والبحرين والكويت والأردن وغيرها».. وأكد أن الحصار البحرى سيظل ساريًا ونافذًا حتى إتمام الصفقة، وأنه سيتم الإعلان عن موعد ومكان توقيعها قريبًا.
ما حدث خلال الساعات الماضية لا يمكن اعتباره تراجعًا أمريكيًا بقدر ما يعكس إستراتيجية تفاوضية تعتمد على رفع سقف التهديدات العسكرية للحصول على تنازلات سياسية من طهران.. فمنذ اندلاع المواجهات الأخيرة، استخدمت واشنطن الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية كورقة تفاوضية لإجبار إيران على القبول بشروط تتعلق ببرنامجها النووى وأمن الملاحة فى مضيق هرمز.. بينما تدرك إيران أن استمرار الحرب يستنزف قدراتها الاقتصادية والعسكرية فى وقت تواجه فيه ضغوطًا داخلية كبيرة، ما يجعلها أكثر انفتاحًا على تسوية تحفظ ماء الوجه دون التخلى الكامل عن أوراق قوتها الإقليمية.
هناك عدة عوامل دفعت الإدارة الأمريكية إلى تجنب التصعيد الشامل منها الخوف من انفجار إقليمى واسع قد يشمل إسرائيل ودول الخليج وممرات الطاقة العالمية.. فضلا عن تأثير الحرب على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية، خاصة مع حساسية مضيق هرمز الذى يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية وكذلك الاعتبارات السياسية الداخلية الأمريكية، حيث لا ترغب الإدارة فى الانخراط بحرب طويلة ومكلفة اقتصاديًا وعسكريًا.. خاصة مع تزايد حالة الغضب العارم على سياسات ترامب سواء فى الشارع الأمريكى أو داخل الكونجرس نفسه وقد بدأت عمليات جمع توقيعات تطالب بعزل ترامب من منصبه إلى جانب عوامل أخرى مؤثرة مثل وجود وساطات إقليمية نشطة قادتها دول مثل مصر وباكستان وقطر وتركيا للتوصل إلى اتفاق يوقف التصعيد ويفتح باب المفاوضات النووية.
هل الاتفاق بات قريبًا؟.. المؤشرات الحالية توحى بأن الطرفين أقرب إلى اتفاق مؤقت منه إلى سلام دائم. والتقارير تتحدث عن تفاهمات أولية تشمل تمديد وقف إطلاق النار.. وإعادة فتح الملاحة بصورة طبيعية فى مضيق هرمز.. واستئناف المفاوضات حول البرنامج النووى الإيرانى.. وبحث ملفات العقوبات والأموال الإيرانية المجمدة.. لكن العقبات الرئيسية لا تزال قائمة، وعلى رأسها مستقبل البرنامج النووى الإيرانى، ودور طهران الإقليمى، والعقوبات الاقتصادية الأمريكية.. لذلك فإن أى اتفاق متوقع سيكون على الأرجح اتفاقًا مرحليًا وليس تسوية نهائية.
وحول مستقبل الصراع بين واشنطن وطهران يتحدث الخبراء عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية أولها سيناريو التهدئة المؤقتة «الأكثر ترجيحًا» حيث يتوصل الطرفان إلى اتفاق مرحلى يخفف التوتر ويؤجل القضايا الخلافية الكبرى.. هذا السيناريو يخدم الطرفين اقتصاديًا وسياسيًا، وقد يستمر عدة أشهر أو سنوات إذا نجحت آليات الرقابة والتفاوض.. والسيناريو الثانى العودة للتصعيد المحدود.
فقد تنهار المفاوضات فى أى وقت بسبب الخلاف حول الملف النووى أو النفوذ الإقليمى، فتعود الضربات المتبادلة والهجمات غير المباشرة دون الوصول إلى حرب شاملة وهو السيناريو الذى شهدته المنطقة أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية.. أما السيناريو الثالث فهو يبشرنا بكابوس «الحرب المفتوحة» ويبقى احتمالاً قائمًا لكنه الأقل ترجيحًا حاليًا، لأن تكلفته ستكون ضخمة على الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما، كما ستنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمى وأسواق الطاقة.
ومع بدء فعاليات كأس العالم وهو اكبر حدث رياضى يشهده العالم كل أربع سنوات والتى تستضيفها هذا العام الولايات المتحدة بالمشاركة مع المكسيك وكندا تصبح واشنطن أكثر حرصًا على تجنب أى حرب واسعة قد تؤثر على الأمن والاستقرار وصورتها الدولية أمام ملايين الزوار والمشاهدين حول العالم.. كما أن أى تصعيد كبير قد يفرض تحديات أمنية إضافية ويؤثر على الاقتصاد الأمريكى فى توقيت حساس.. ومن ثم فإن الإدارة الأمريكية تبدو أكثر ميلاً لاحتواء الأزمة بدلاً من توسيعها.
وأخيرًا لن تتوقف التصريحات النارية المتبادلة، وما يجرى حاليًا أقرب إلى مفاوضات تحت ضغط السلاح منه إلى استعداد فعلى لحرب شاملة.. ترامب يستخدم التهديد العسكرى لتعزيز موقفه التفاوضى، بينما تحاول إيران انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاقتصادية.. ويبدو أن الأشهر المقبلة ستشهد هدنة هشة واتفاقًا مرحليًا أكثر من كونها ستشهد مواجهة عسكرية واسعة، لكن جذور الصراع الأمريكى الإيرانى ستظل قائمة ما لم يتم التوصل إلى تسوية شاملة للملف النووى وترتيبات الأمن الإقليمى فى الشرق الأوسط.









