فى اللحظة الراهنة التى يمر بها العالم، وتمر بها منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، تجد مصر نفسها فى قلب عاصفة من التحولات الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية. إن موقع مصر الفريد، وتاريخها العريق، ودورها المحورى كركيزة للاستقرار الإقليمى، يجعلها هدفاً دائماً لمحاولات التفتيت أو الإضعاف. وفى ظل هذا المشهد المعقد، لم يعد وعى المواطن المصرى بالأخطار مجرد «رفاهية» فكرية أو نقاشاً سياسياً عابراً، بل أصبح ضرورة أمن قومى وخط الدفاع الأول لحماية الدولة المصرية من مخاطر لا ترى بالعين المجردة بقدر ما تلمس آثارها فى النسيج الاجتماعى والاستقرار العام، وقد تغير مفهوم التهديد فى العصر الحديث. قديماً كان الخطر يقاس بحجم الجيوش على الحدود، أما اليوم فقد انتقلت المعركة إلى ساحات الوعى، إن الأخطار التى تواجه مصر تتخذ أشكالاً متعددة، وتعد الشائعات أخطر سلاح فى العصر الرقمى، تهدف هذه الحملات الممنهجة إلى ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ونشر اليأس، وتشويه الإنجازات، وتضخيم الإخفاقات عبر منصات التواصل الاجتماعى، الوعى هنا يعنى القدرة على التمييز بين النقد البنّاء المخلص وبين السموم التى تبث لهدم الروح المعنوية.
ولا يزال الفكر المتطرف يحاول اختراق العقول عبر وسائط متنوعة، مستهدفاً الشباب بصفة خاصة. الوعى هنا هو الحصن الذى يقى المجتمع من الانزلاق فى براثن التشدد الذى أضمر بلاداً عديدة حولنا.
إن التماسك الداخلى هو السلاح الفتاك الذى يجعل أى مخطط خارجى يرتطم بجدار صلب، عندما يتمتع المصريون بوعى حقيقى، فإنهم يتحولون إلى «جهاز مناعة» للمجتمع. الوعى يعنى فهم سياق الأحداث. والمواطن الواعى لا يأخذ الأخبار من مصادر مجهولة، بل يربط الأحداث ببعضها، ويدرك لماذا تتخذ الدولة إجراءً معيناً، حتى وإن كان مؤلماً فى لحظته، من أجل هدف استراتيجى طويل المدى.
والوعى يدفع الفرد لتقديم المصلحة العامة على المكسب الشخصى الضيق. فى أوقات الأزمات، الوعى هو ما يجعل المواطن صبوراً متعاوناً، ومشاركاً بفاعلية فى البناء بدلاً من الهدم، والأعداء يراهنون دائماً على الشقاق بين فئات المجتمع. الوعى بأن مصر هى وطن للجميع، وأن قوتها فى وحدة نسيجها، هو الرد القاطع على أى محاولة للعبث بالاستقرار الاجتماعى.
إن مسئولية رفع الوعى ليست مقتصرة على جهة واحدة. فهى عملية تكاملية تبدأ من الأسرة التى تغرس حب الوطن، مروراً بالمؤسسات التعليمية التى تبنى عقولاً ناقدة ومستنيرة، وصولاً إلى الإعلام الذى يقع عليه عبء قول الحقيقة بشفافية.
وعلى الإعلام أن يبتعد عن أسلوب التلقين ويتبنى أسلوب الحوار، حيث تطرح الحقائق بشفافية وتُناقش التحديات بصدق. فالشعب المصرى، بتاريخه الطويل، يمتلك ذكاءً فطرياً، إذا خاطبت عقله بالحقيقة، كان هو أول المدافعين عن بلاده. كما أن النخب المثقفة والمؤثرين عليهم دور محورى فى تقديم محتوى يحمى العقول من التزييف، ويوضح الصورة للمواطن البسيط بلغة مفهومة، بعيداً عن التعقيدات السياسية. إن مصر باقية بوعى أبنائها.
ولقد أثبت التاريخ أن مصر لا تهزم طالما أن شعبها يقف على أرضية صلبة من الوعى. إن التهديدات المحيطة بنا حقيقية، لكنها ليست قدراً محتوماً، إن الوعى ليس مجرد معرفة، بل هو موقف. هو قرار بأن نكون على قدر المسئولية التاريخية التى تمليها علينا جغرافيا مصر ومكانتها.
إن وعى المصريين هو الدرع الذى يحمى البلاد من حروب الجيل الرابع والخامس، وهو الوقود الذى يحرك عجلة التنمية فى أصعب الظروف. فلنكن جميعاً حراس هذا الوعى، مدركين أن الحفاظ على الدولة المصرية ليس وظيفة الحكومة وحدها، بل هو أمانة فى رقبة كل مواطن يعشق هذا التراب، إن مصر التى عبرت عبر العصور أزمات كانت أعتى وأشرس، ستظل صامدة، شامخة، وقوية، طالما ظل أبناؤها مدركين لحجم المخاطر، ومتمسكين برباط الوحدة والوعى.
وللحديث بقية









