في عام 1971 أُنتجت مسرحية «مدرسة المشاغبين» التي تحولت إلى واحدة من أشهر الأعمال الفنية في تاريخ مصر والعالم العربي.
يومها انقسم المجتمع بين مدافعين عن حرية الفن والإبداع، وبين تربويين حذروا من آثارها السلبية على صورة التعليم والمعلم والانضباط المدرسي.
ولم يكن هذا التحذير مجرد انطباعات شخصية؛ بل استند إلى دراسات علمية، من أهمها الدراسة الميدانية التي أجرتها جامعة القاهرة على 1000 من طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية، والتي كشفت أن 70% من الطلاب كانوا يقلدون إفيهات المسرحية وسلوكيات أبطالها باعتبارها نموذجًا يحظى بالإعجاب المجتمعي.
كما وصف وزير التربية والتعليم الأسبق الدكتور مصطفى كمال حلمي المسرحية بأنها «كارثية»، معتبرًا أنها أسهمت في كسر هيبة المعلم داخل المدرسة لأجيال متعاقبة.
بعد أكثر من نصف قرن، يبدو أن الجدل ذاته يعود مجددًا، ولكن هذه المرة عبر فيلم «برشامة» الكوميدي الذي تدور أحداثه حول الغش في لجنة امتحانات الثانوية العامة.
فالفيلم يتصدر مقاطع «الريلز» على مواقع التواصل الاجتماعي، وتنتشر مشاهده الساخرة بسرعة لافتة. فريق يرى أنه عمل كوميدي إبداعي يستحق التشجيع، بينما يعتبره آخرون إساءة للغة العربية، واستهزاءً بدور العبادة الإسلامية، فضلًا عن استمرار النمط التقليدي في تقديم المعلم بوصفه مادة للسخرية.
ولعل أبرز مظاهر هذا الانقسام ما صدر عن اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين التي انحازت إلى الدفاع عن الفيلم تحت مظلة حرية الإبداع ورفض ما وصفته بالإرهاب الفكري. وهي مبادئ أتفق معها بالكامل.
ولكن بعد مشاهدتي للفيلم أكثر من مرة، وباعتباري متخصصًا في ملف التعليم، لا أجد أمامي سوى الانحياز لمصلحة الوطن.
فالفيلم ركز بشكل شبه كامل على النماذج الشاذة داخل المنظومة الامتحانية، وقدم صورة كاريكاتورية للجان والأسئلة لا تعكس الواقع، كما منح مساحة واسعة لشخصيات هامشية على حساب قيم الاجتهاد والانضباط واحترام المعلم.
والخطورة هنا لا تكمن في حرية الإبداع، وإنما في الصورة الذهنية التي يتركها العمل لدى المشاهد المصري والعربي، خصوصًا أن الدراما المصرية ما زالت تشكل مصدرًا رئيسيًا لتكوين الانطباعات عن المجتمع المصري في الدول العربية.
وأتذكر هنا ما روته لنا الدكتورة سحر وهبي، أستاذة الإعلام بجامعة جنوب الوادي، أثناء دراستي بالفرقة الأولى، عندما تحدثت عن فترة عملها بإحدى الدول الخليجية، حيث فوجئت بأن بعض جاراتها هناك كن يحملن صورة سلبية مسبقة عن المرأة المصرية تشكلت لديهن من الأعمال الفنية المصرية التي ركزت على النماذج الشاذة في المجتمع، قبل أن تتغير تلك الصورة للنقيض الايجابي بعد الاحتكاك المباشر بها وبأسرتها.
فالفن قوة هائلة التأثير، وتقديم صورة مشوهة عن التعليم المصري لا يضر مؤسسة بعينها، بل ينعكس على صورة المجتمع كله، ويقوض الجهود التي تبذلها الدولة لتطوير المنظومة التعليمية، ويهدر مليارات الجنيهات التي أُنفقت خلال السنوات الأخيرة على تطوير المدارس والمناهج والبنية التكنولوجية وتأهيل المعلمين
ومن هنا فإنني لا أدعو إلى المنع أو المصادرة، وإنما إلى الإصلاح وتدارك الآثار السلبية عبر مبادرة تشترك فيها وزارة التربية والتعليم ونقابة الصحفيين، لدعوة الشركة المنتجة للفيلم، التي أعلنت تحقيق إيرادات تجاوزت 200 مليون جنيه، إلى تخصيص جزء من هذه الأرباح لدعم مسابقة لأفضل سيناريو درامي واقعي يجسد تضحيات المعلمين وقصص النجاح داخل المدارس المصرية.
فنحن نتحدث عن أكثر من مليون معلم يعملون في 60 ألف مدرسة، وعن أكبر منظومة امتحانية للشهادات العامة في الشرق الأوسط، يشارك فيها هذا العام 920 ألف طالب، ويتولى إدارتها أكثر من 120 ألف مراقب وإداري.
نحن نريد أعمال فنية ترصد هذه الملحمة الإنسانية والتنظيمية.. توثق مشاهد الأمهات والآباء الذين يفترشون الأرض حاملين المصاحف أمام اللجان، وجهود آلاف المعلمين والإداريين الذين يتحملون مسؤولية وطنية ضخمة كل عام.
يا سادة.. إن رفض الإرهاب الفكري وتأييد حرية الإبداع لا يعنيان القبول بالاستهزاء بالقيم المجتمعية أو اختزال الواقع في نماذج شاذة . فعمل فني كوميدي قد ينتهي عرضه خلال أسابيع، لكنه يترك أثرًا في الوعي والصورة الذهنية يمتد لعقود، تمامًا كما حدث مع «مدرسة المشاغبين».









