بحسب تقديرات البنك الدولى، يدخل نحو ١٫٣ مليون شاب مصرى سوق العمل سنويا، بينما يتم خلق حوالى نصف مليون وظيفة فقط فى العام نفسه. ورغم أن بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أظهرت انخفاض معدل البطالة إلى ٦٫٣٪ عام ٢٠٢٥ مقابل ٦٫٦٪ عام ٢٠٢٤، فإن الجمع بين المؤشرين يوضح أن انخفاض البطالة العامة لا يلغى الضغط السنوى المتزايد على سوق العمل. ومن هنا لا يقتصر التحدى على تحسين مهارات الخريجين، بل يمتد إلى توسيع قدرة الاقتصاد على خلق فرص إنتاج ودخل وعمل.
وتزداد حساسية هذا التحدى عند النظر إلى الشباب. فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب من ١٥ إلى ٢٩ سنة ١٣٫٢٪، أى أكثر من ضعف معدل البطالة العام تقريبا، مع وجود نحو ٢١٫٣ مليون شاب مصرى بين ١٨ و٢٩ سنة. ومن هنا، لم يعد السؤال فقط كيف نجعل الخريج أكثر قدرة على المنافسة على وظيفة، بل كيف نعيد النظر فى رؤية الجامعات لعلاقتها بسوق العمل، بحيث لا تكتفى بتأهيل جانب العرض، أى الخريجين الباحثين عن العمل، بل تسهم أيضا فى تنشيط جانب الطلب، أى خلق فرص جديدة للعمل والدخل والإنتاج.
من قابلية التوظيف إلى الجاهزية لصناعة الفرصة
قابلية الخريج للتوظيف ستظل ركنا أساسيا فى أى تعليم جيد. فالجامعة مطالبة بأن تخرج طالبا يمتلك مهارات التواصل والتفكير النقدى والعمل فى فريق وحل المشكلات والتعامل مع التكنولوجيا. لكن هذه القابلية، على أهميتها، تعالج جانبا واحدا من سوق العمل، وهو جانب العرض، أى جودة الخريجين الباحثين عن العمل.
أما الجانب الآخر، وهو جانب الطلب، فيتعلق بعدد الفرص المتاحة ونوعية الوظائف وقدرة الاقتصاد على توليد أعمال ومشروعات وقطاعات جديدة. ومن هنا يصبح تطوير مفهوم قابلية التوظيف ضروريا، لا بإلغائه، بل بتوسيعه من مجرد إعداد الخريج للحصول على وظيفة إلى إعداده أيضا لإضافة قيمة للسوق.
فالسؤال لم يعد فقط هل يستطيع الخريج أن ينافس فى سوق العمل، بل أصبح أيضا هل يستطيع أن يرى مشكلة ويقترح حلا ويختبر فكرة ويحول معرفة إلى قيمة ومهارة إلى مصدر دخل. وهذا لا يعنى مطالبة كل خريج بأن يصبح صاحب شركة. فليس كل طالب رائد أعمال، وليس كل خريج مطالبا بتأسيس مشروع. المقصود هو بناء عقلية ريادية أوسع، يحتاجها الخريج داخل الوظيفة وفى العمل الحر وفى تطوير نشاط قائم وفى التعامل مع تحديات الحياة المهنية.
ومع دخول الذكاء الاصطناعى إلى قلب سوق العمل، تزداد أهمية هذه العقلية. فهذه الأدوات تتيح للفرد اختبار الأفكار وفهم احتياجات العملاء وتصميم خدمات جديدة وخفض تكلفة البدء إلى مستويات لم تكن ممكنة قبل سنوات. ولذلك فإن الجامعة التى تعلم الطالب كيف يستخدم التكنولوجيا لصناعة القيمة، لا لمجرد أداء مهمة، تضعه على طريق مختلف.
كيف تصبح الجامعة شريكا حقيقيا فى خلق فرص العمل
إذا كان المطلوب توسيع معنى قابلية التوظيف، فإن الجامعة لا تستطيع أن تكتفى بأدواتها التقليدية فى الاقتراب من السوق. فملتقيات التوظيف والتدريب الصيفى مهمة، لكنها غالبا تساعد الطالب على الدخول إلى السوق كما هو، ولا تكفى وحدها لزيادة قدرة هذا السوق على خلق فرص جديدة. ومن هنا يصبح الدور الأعمق للجامعة هو أن تكون حلقة وصل حقيقية بين المعرفة والمشكلة، وبين الطالب والمجتمع، وبين البحث العلمى واحتياجات الصناعة والخدمات.
ويظهر هذا الدور بوضوح فى طريقة التعامل مع مشروعات الطلاب. فالمشروع الجامعى لا يجب أن يكون مجرد متطلب دراسى ينتهى على رف مكتبة، بل يمكن أن يبدأ من مشكلة فعلية فى مصنع أو شركة أو مجتمع محلى، ثم يتحول إلى نموذج قابل للاختبار أو خدمة قابلة للتطوير. فى الحالة الأولى يكون التعليم قد أنتج ورقة أكاديمية. أما فى الحالة الثانية، فيكون قد أنتج احتمالا اقتصاديا حقيقيا قابلا للنمو.
وتصبح هذه الفكرة أكثر أهمية حين ننظر إلى طبيعة الاقتصاد المصرى نفسه. فالمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة تمثل حوالى ٩٨٪ من المنشآت، وتسهم بنحو ٤٣٪ من الناتج المحلى الإجمالى، وتستوعب نحو ٧٥٪ من قوة العمل، وفقا لمنظمة العمل الدولية. ولذلك فإن ربط الجامعة بهذا القطاع ليس نشاطا إضافيا أو شعارا للتسويق، بل استجابة مباشرة لبنية الاقتصاد. فالجامعة التى تساعد مشروعا صغيرا على تحسين إنتاجه أو تسويقه أو توظيف التكنولوجيا فيه، لا تخدم طالبا واحدا فقط، بل تسهم فى رفع قدرة الاقتصاد نفسه على توليد فرص عمل جديدة.
وهذا التحول يحتاج إلى تغيير فى السياسات الجامعية نفسها. فالمطلوب ليس إضافة مقرر منفصل فى ريادة الأعمال يظل معزولا عن بقية التخصصات، بل دمج الجاهزية للعمل وصناعة الفرصة داخل المناهج، وتشجيع التعليم القائم على المشروعات، وبناء ثقافة مالية ورقمية مبكرة، وتدريب الطلاب على دراسة السوق وتصميم نماذج أعمال بسيطة والعمل مع مؤسسات حقيقية وفهم احتياجات العملاء وإدارة المخاطر. كما يجب ربط الحاضنات الجامعية بالتمويل والإرشاد وسلاسل القيمة، حتى لا تتحول إلى واجهات شكلية.
وبالتالى يجب أن تتغير مؤشرات النجاح داخل الجامعات. لا يكفى أن نسأل، كم خريجا حصل على وظيفة؟ بل يجب أن نسأل أيضا، كم طالبا تعلم كيف يحل مشكلة حقيقية؟ كم مشروع تخرج ارتبط باحتياج فعلى؟ كم فكرة تحولت إلى نموذج قابل للاختبار؟ وكم خريج أصبح قادرا على المنافسة فى سوق العمل، وفى الوقت نفسه قادرا على صناعة فرصة إذا لم يجدها جاهزة؟
خاتمة
قابلية التوظيف نقطة البداية الضرورية، لا سقف الطموح. فلا يمكن أن يصنع الخريج فرصة إذا افتقر إلى مهارات التعلم والتواصل وحل المشكلات والتعامل مع التكنولوجيا. لكن مصر تحتاج اليوم إلى ما هو أبعد من خريج ينافس على فرصة قائمة فقط. تحتاج إلى خريج قادر على العمل والتعلم والتكيف والمبادرة وتحويل المعرفة إلى قيمة.
النقلة الحقيقية التى يحتاجها التعليم فى مصر هى الانتقال من جامعة تؤهل الباحثين عن عمل، إلى جامعة تشارك فى صناعة العمل نفسه. ومن تعليم يهيئ الخريج للبحث عن فرصة، إلى تعليم يساعده على صناعتها.









