لو كنت تظن أن الحديث عن “الطاقة المتجددة” و”الاستدامة” مجرد مصطلحات معقدة تهم الخبراء في الغرف المغلقة، فإن النسخة الثانية عشرة للمنتدى المصري للتنمية المستدامة جاءت لتغير هذه الفكرة تماماً.
تحت شعار جذاب حمل عنوان «حلول عادلة ومستدامة لتعزيز القدرة على الصمود»، وبالتزامن مع الأسبوع الوطني للتنمية المستدامة لعام 2026 والاحتفال بيوم البيئة العالمي، تحولت كواليس المنتدى إلى ورشة عمل حية ترسم ملامح مصر الجديدة؛ مصر التي لا تنتظر المستقبل، بل تصنعه بأيدي أبنائها.
خطة طموحة والانتقال العادل
البداية جاءت بترحاب واسع وتأييد مطلق من المنتدى لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي برفع نسبة الطاقة المتجددة في مصر إلى 45% بحلول عام 2028. وهي الرؤية التي ترجمتها الحكومة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي سريعاً إلى قرارات شجاعة، أبرزها إلزام المصانع الجديدة بالاعتماد على الطاقة النظيفة ضمن مزيج استهلاكها، مما يفتح الباب لعصر جديد من الأمان الطاقي.
وفي هذا السياق، وضع الدكتور عماد الدين عدلي، الرئيس التنفيذي للمنتدى المصري للتنمية المستدامة، النقاط فوق الحروف بكلمات حاسمة، مؤكداً أن جوهر التنمية المستدامة يكمن في تحويل هذه الاستراتيجيات القومية إلى ممارسات يومية يشعر بها المواطن البسيط في قريته ومدينته. وأوضح الدكتور عدلي أن “الانتقال العادل” ليس مجرد توفير تكنولوجيا، بل هو التزام أخلاقي وتنموي يضمن ألا تترك خطط التطوير أحداً خلف الركب. وأشار إلى أن دور المجتمع المدني اليوم هو أن يكون الجسر الذي يربط بين القرارات الحكومية الطموحة واحتياجات الشارع الفعلية، لتبسيط مفاهيم الاقتصاد الأخضر وتحويلها إلى ثقافة مجتمعية شاملة.
وأضاف الدكتور عماد عدلي أن التحديات المناخية والاقتصادية الحالية تفرض علينا التحرك بمرونة وسرعة، معتبراً أن إشراك الشباب والمرأة في المحافظات هو الضمانة الوحيدة لاستدامة أي مشروع بيئي. وأشار إلى أن خيارات مثل السخانات الشمسية في المنازل لا تزال تواجه منافسة شرسة من الطرق التقليدية بسبب غياب الحوافز وضعف الوعي، وهو ما يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين التشريع والتثقيف الذي يقوده المجتمع المدني بالتعاون مع مؤسسات الدولة كافة.
وفي قراءة رشيقة للجانب التشريعي، أوضحت النائبة الدكتورة نهى زكي، عضو مجلس الشيوخ السابق، أن القوانين مهمة لكنها ليست العصا السحرية وحدها؛ فالأمر يبدأ بفهم دقيق لحجم الطلب على الطاقة في كل قطاع. وأشارت إلى أهمية تقييم الأثر التشريعي للقوانين الحالية بمشاركة المستثمرين والجمهور قبل إصدار قوانين جديدة، شريطة أن يسبق أي قرار حوار مجتمعي يضمن مصالح الجميع.

قوة الذرة.. الركيزة الأساسية للأمان الطاقي
كذلك فتح المنتدى ملف الطاقة النووية السلمية من خلال رؤية تفصيلية وشاملة قدمها الدكتور أمجد الوكيل، رئيس مجلس إدارة هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء؛ حيث أكد أن تأمين الطاقة لم يعد مسألة فنية بحتة، بل أصبح أحد أهم محددات الاستقرار الاقتصادي والسيادي للدول، محذراً من أن الاعتماد على مصدر واحد للطاقة يمثل مخاطرة استراتيجية لا يمكن تحملها في ظل الاضطرابات العالمية الحالية.
وشدد الوكيل على أن مشروع محطة الضبعة النووية يمثل الركيزة الأساسية لتأمين مستقبل الطاقة وحماية مصر من تكرار أزمات انقطاع الكهرباء أو نقص الوقود، لكونها طاقة نظيفة خضراء تعمل على مدار الساعة لتغطية الأحمال الأساسية، وغير خاضعة لتقلبات أسعار الوقود الأحفوري، ولا تتأثر بالعوامل الجوية المباشرة التي تجعل الطاقات المتجددة كالشمس والرياح متقطعة ومتغيرة بطبيعتها.
واستعرض الدكتور أمجد الوكيل الأرقام الضخمة للمشروع، موضحاً أنه عند اكتمال محطة الضبعة، ستحصل مصر على قدرة كهربائية تصل إلى 4800 ميجاوات، بإنتاج سنوي لا يقل عن 35 مليار كيلووات/ساعة، وهو ما يمثل نحو 12% من استهلاك الطاقة في مصر عام 2030، فضلاً عن تجنب نحو 14 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وتوفير ما لا يقل عن 7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي. وأوضح أن الطاقة الخضراء ليست لوناً واحداً، وإنما هي مزيج من سطوع الشمس، ونسائم الرياح، وقوة الذرة.
معايير أمان عالمية واستدامة اقتصادية
كما طمأن رئيس هيئة المحطات النووية المصريين بأن المفاعلات مصممة بعمر تشغيلي يصل إلى 60 عاماً قابلاً للتمديد إلى 80 ثم 100 عام، وبمعامل سعة يتجاوز 90%. وأكد أن التكنولوجيا المستخدمة في الضبعة تنتمي إلى الجيل الثالث المتقدم (+Gen 3) وهي الأعلى أماناً في العالم حالياً؛ حيث يستطيع المفاعل تحمل اصطدام طائرة تجارية ثقيلة تزن 400 طن، وتحمل موجات تسونامي حتى ارتفاع 14 متراً، بالإضافة إلى الزلازل القوية، والأعاصير التي تتجاوز سرعتها 310 كم/ساعة.
وأضاف أن التصميم الروسي مزود بـ “مصيدة قلب المفاعل” لاحتواء المواد الإشعاعية تماماً في حال حدوث أي حادث جسيم -لا قدر الله- رغم أن احتمالية حدوث ذلك تكاد تكون منعدمة بمعدل أقل من حالة واحدة لكل 10 ملايين مفاعل-سنة. هذا بالإضافة إلى الاعتماد على نظم أمان سلبية لا تحتاج إلى الكهرباء، بل تعمل بالجاذبية والسريان الطبيعي للسوائل. وأكد أن السكن بجوار المحطة آمن تماماً، بدليل أن إجمالي انبعاثاتها خلال دورة حياتها لا يتعدى 12 غراماً فقط من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلووات/ساعة، وهي نسبة لا تنافسها في الانخفاض إلا طاقة الرياح، وتتفوق بمراحل على الطاقة الشمسية والغاز الطبيعي.
أما عن السؤال الساخن حول كيفية التعامل مع الوقود المستنفد، فأوضح الدكتور أمجد الوكيل أنه تم اعتماد الاستراتيجية المصرية لإدارة النفايات المشعة والوقود النووي المستنفد في يوليو 2017 برئاسة رئيس الجمهورية وبمشاركة الجهات النووية كافة. وتعتمد الاستراتيجية حالياً على تكنولوجيات متطورة تبدأ بالتخزين المرحلي داخل أحواض مائية لمدة تتراوح بين 5 و7 سنوات، ثم نقله إلى مستودعات التخزين الجاف داخل أوعية خاصة جرى التعاقد عليها في مشروع الضبعة لتأمين الوقود لمدة 60 عاماً قابلة للمد إلى 80 عاماً وفق أعلى الاشتراطات الفنية.
ولفت إلى أن هذا الوقود المستنفد يظل تحت الرقابة الصارمة، ولكنه يحتوي على 96% من اليورانيوم القابل لإعادة الاستخدام مستقبلاً، ومع التطور التكنولوجي في العقود القادمة سيتحول إلى مورد اقتصادي ذي قيمة عالية بدلاً من اعتباره مجرد مخلفات، مما يثبت أن محطة الضبعة تقع في قلب رؤية مصر 2030 بأبعادها الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية لتأمين مستقبل الأجيال القادمة.

خارطة طريق خماسية للصناعة
ومن منصة الصناعة، رسم المهندس أحمد كمال عبد المنعم، المدير التنفيذي لمكتب الالتزام البيئي والتنمية المستدامة باتحاد الصناعات المصرية لعام 2026، ملامح جديدة للمصانع، مؤكداً أن لغة المال والأعمال قد تغيرت؛ ولم تعد الطاقة مجرد بند تشغيل، بل أصبحت أساس التنافسية العالمية ووسيلة لخفض التكاليف لمواجهة قيود التصدير الدولية الجديدة.
وقدم خارطة طريق خماسية ترتكز على:
- رفع كفاءة الطاقة.
- التوسع في استخدام الوقود النظيف.
- توطين التكنولوجيا الخضراء.
- استثمار القدرات البشرية.
- تطوير نظم القياس والإفصاح البيئي.
وشدد في الوقت ذاته على ضرورة دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالمحافظات كي لا يتخلف أحد عن الركب.
الشباب والابتكار التكنولوجي.. نبض التغيير
أما الحيوية الحقيقية فظهرت في دور الشباب والجامعات؛ حيث أبهرت الدكتورة سماح الصحفي، الأستاذ بكلية الصيدلة بجامعة الإسكندرية، الحضور بعرض تجربة مبادرة «الدائرة الخضراء» التي بدأت من كلية الصيدلة وامتدت للجامعة بأكملها، محولةً أسطح المباني والممارسات اليومية إلى برامج لتدوير وترشيد الطاقة ونشر الخلايا الشمسية، متغلبة على مقاومة التغيير بالتوعية المستمرة لتصبح نموذجاً محلياً ملهماً قابلاً للتطبيق في ربوع مصر كافة.
ولأن جيل اليوم يتنفس تكنولوجيا، أوضحت إيمان الوراقي، مؤسس مبادرة ثورة الذكاء الاصطناعي، كيف يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والمعزز أن تحلل اهتمامات الشباب وتخاطبهم بلغتهم على منصاتهم الرقمية. وتخيلت الوراقي استخدام نظارات الواقع الافتراضي لجعل المواطن يعيش في مدينته المستقبلية عام 2050 ويرى شوارعها الخضراء قبل تنفيذها، مع الحفاظ على اللمسة والإحساس الإنساني الذي لا يعوض.
وتكامل هذا الطرح مع رؤية الإعلامي محمود العيسوي، رئيس تحرير موقع “جسور 2030″، الذي أكد أن الإعلام شريك في صناعة الوعي وليس مجرد ناقل للقرارات، مما يستوجب تدريب الصحفيين لتبسيط القضايا المعقدة للمواطن. بينما أضافت الدكتورة رهام صلاح من جامعة MSA بعداً مميزاً بالإشارة إلى قوة الدراما والأفلام التسجيلية التي يصنعها الطلاب في تغيير السلوكيات المجتمعية، ونشر ثقافة الاستدامة، وحصد الجوائز الدولية.
من المحلية إلى العالمية.. تجارب حية من المحافظات
وفي ختام الفعاليات، تلاقت الرؤى مع نبض الشارع عبر تجارب مبادرة “تيراميد” وممثلي المنتديات المحلية بالمحافظات الذين استعرضوا قصص نجاح وتحديات حقيقية؛ حيث استعرض ممثلو محافظة بورسعيد نجاحات المجتمع الأهلي وتحديات صيانة السخانات الشمسية لضمان كفاءتها، بينما قدم ممثلو الصعيد نماذج مبهجة للمزارعين الذين يعتمدون على الطاقة الشمسية في نظم الري.
وتكاملت هذه الرؤى الميدانية مع ما طرحه ممثلو قطاعات الكهرباء، والزراعة، والشباب والرياضة الحاضرون، ليؤكد الجميع في النهاية أن الاقتصاد الأخضر، وتأهيل الشباب والمرأة، وإدارة المخلفات، ليست مجرد أفكار للمستقبل بل هي الواقع الجديد الذي يصنعه المصريون اليوم بكل شغف وانطلاق.








