في قلب الأراضي الرطبة؛ حيث تلتقي زرقة البحر الأبيض المتوسط بأسرار بحيرة المنزلة، ومع تعالي صيحات الاحتفال باليوم العالمي للبيئة، أعلن الدكتور حسين رشاد، مدير محمية أشتوم الجميل، تحقيق قفزة تاريخية وغير مسبوقة تتمثل في صياغة أول خطة إدارة تشاركية للمحمية منذ إعلانها رسمياً قبل ثمانية وثلاثين عاماً.
وتستهدف الخطة تحويل المحمية من مجرد بقعة جغرافية مصونة بالقانون، إلى نموذج حي تتشابك فيه سواعد جميع الشركاء وأصحاب المصالح؛ لحماية هذا الكنز الطبيعي الفريد، وفرض واقع جديد للتنمية المستدامة وحماية التنوع البيولوجي، في قصة نجاح مصرية خالصة تُثبت أن الأحلام لا تسقط بالتقادم بعد رحلة ملحمية امتدت لأكثر من اثنين وعشرين عاماً من العمل والإصرار المتواصل.
ومن جانبها، أكدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، على أهمية هذا النموذج التشاركي الذي يدمج التنمية المحلية بحماية البيئة، وأعربت عن تطلع الوزارة لتكرار هذه التجربة الرائدة وتعميمها في عدد من المحميات الطبيعية الأخرى بمختلف المحافظات، كركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الأخضر وتنمية المجتمعات المحيطة بالمحميات.

شراكة مثمرة وإنجازات بيئية متتالية
وقد نجح الدكتور حسين رشاد في فتح هذه الآفاق الجديدة للإدارة المستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية الفريدة لبحيرة المنزلة والبحر الأبيض المتوسط؛ من خلال جمع كافة أصحاب المصالح والشركاء المعنيين تحت مظلة واحدة، وبمشاركة رفيق هذا النجاح الدكتور محمد سعيد، مدير اقتصاديات التنوع البيولوجي بالمحمية، والذي كان شريكاً داعماً ومؤمناً بالفكرة منذ بدايتها.
ويُمثل هذا التعاون المثمر النجاح الثاني بينهما بعد الإنجاز التاريخي السابق المتمثل في إنشاء أول مركز لإنقاذ السلاحف البحرية في مصر داخل المحمية، وذلك بدعم وتمويل من مركز الأنشطة الإقليمية للمناطق المتمتعة بحماية خاصة، وتنفيذ شركة موائل للحلول البيئية.

حضانة طبيعية للأسماك وملاذ عالمي للطيور المهاجرة
وتعتبر محمية أشتوم الجميل التي تأسست عام ١٩٩٨ بمساحة تصل إلى ١٨٠ كيلومتراً مربعاً واحدة من أهم المحميات الطبيعية في مصر؛ نظراً لموقعها الاستراتيجي في شمال شرق بحيرة المنزلة؛ حيث تلتقي المياه العذبة بالمالحة عبر بوغازي (الجميل) و(أشتوم الجميل)،
مما يجعلها حضانة طبيعية عملاقة ومثالية لأفخم أنواع الأسماك مثل البوري والقاروص والدنيس. فضلاً عن كونها محطة دولية رئيسية، وممراً حيوياً، وملاذاً آمناً لآلاف الطيور المائية المهاجرة من صقيع أوروبا وآسيا إلى أفريقيا مثل البجع والبط البري والطيور الجارحة، مما أكسبها صيتاً عالمياً واسعاً في الأوساط البيئية.

جزيرة تنيس الأثرية: سحر الطبيعة وعراقة التاريخ
ولا تقف قيمة المحمية عند حدود التنوع البيولوجي الفريد للأراضي الرطبة والسواحل، بل تمتد لتشمل بعداً تاريخياً وأثرياً ساحراً يتمثل في “جزيرة تنيس الأثرية” القابعة في قلب المحمية،
والتي تضم أطلال مدينة تنيس الإسلامية الفاطمية القديمة، التي اشتهرت في التاريخ بصناعة أفخر أنواع النسيج وحياكة كسوة الكعبة المشرفة وتصديرها للعالم، وهو ما يمنح المحمية قيمة مزدوجة تجمع بين سحر الطبيعة البكر وعراقة التاريخ الإنساني المؤهل لجذب السياحة العالمية والمحلية.
ومع خروج خطة الإدارة التشاركية الجديدة إلى النور خلال الأشهر القليلة القادمة، تتأهب محمية أشتوم الجميل لعهد جديد يرسخ مفاهيم التنمية المستدامة، ويسهم في دمج المجتمع المحلي والصيادين في منظومة الحماية،
ويفتح أبواباً واعدة للسياحة البيئية المنظمة ومراقبة الطيور؛ لتكون هذه الانطلاقة بمثابة الشاهد الحي على أن العزيمة والإدارة الرشيدة تحت مظلة الوزارة قادرة على صنع الفارق وصون تراثنا الطبيعي للأجيال القادمة.









