فى الوقت الذى تسعى فيه الدولة لإرساء قواعد الشفافية والحوكمة فى مؤسساتها وتطهير المحراب التعليمى من أى شائبة قد تشوه رسالته السامية.. تكشفت ملامح واقعة مؤسفة ومثيرة للاستياء، بطلها أحد قيادات الإدارة التعليمية الذى تناسى شرف مهنته وواجبات كرسيه الوظيفي، ليتورط فى مساومة رخيصة ضد سيدة لم يكن لها ذنب سوى أنها أرادت إنجاز طلب ما لابنتها داخل المدرسة.
هذه الواقعة لا تمثل مجرد مخالفة إدارية عابرة، بل جرس إنذار يكشف عن استغلال النفوذ الوظيفي.
لكن المفاجأة التى لم يحسب لها هذا القيادى حساباً، وعى هذه السيدة وشجاعتها.. إذ رفضت أن تكون فريسة لابتزازه وقررت كسر حاجز الصمت وتوثيق الجريمة بالصوت والصورة.. ولم تكد تمر ساعات قليلة إلا وكانت التسجيلات قد انتشرت بسرعة البرق.. لتتحرك وزارة التعليم وتصدر قراراً عاجلاً بإيقاف السيد الوكيل التربوى عن العمل وإحالته للتحقيق.. ثم يتطور الأمر بعدها ليتم القبض على المتهم ليمثل أمام النيابة بتهم عديدة لم تكن فى حسبانه!!
الخطير فى الأمر، أن يحدث هذا التصرف البشع فى أحد صروح التربية والتعليم.. نعم هى حالة فردية لا يمكن تعميمها، ولكن وقوعها إشارة ودليل ينبه السادة المسئولين للتحرك لإعادة النظر فى العملية التعليمية بكاملها.
إن هذه الحادثة تفتح الباب على مصراعيه لمناقشة أبعاد خطيرة تتعلق بالبيئة الإدارية داخل بعض القطاعات التعليمية.. أولها ضرب قيم المنظومة التربوية، فكيف يمكن لقيادى تربوى يُفترض أنه يشرف على تربية وتعليم الأجيال الجديدة أن ينحدر إلى مستنقع مساومة النساء وابتزازهن بهذا الشكل الرخيص.. إن هذا السلوك يضرب هيبة المنظومة التعليمية فى مقتل حتى لو خلصت النوايا.
الأمر الثاني، استغلال النفوذ الإدارى وتعمد تعقيد الإجراءات البسيطة وخلق بيروقراطية مصطنعة، وهذا الباب الملكى الذى يمر منه الفاسدون لابتزاز المواطنين.. وهذا يدفعنا دفعاً للحديث عن أهمية الرقابة المسبقة، فالحادث يؤكد ضرورة تفعيل آليات الرقابة الصارمة واختيار القيادات التعليمية بناء على تقارير سلوكية وأخلاقية دقيقة وليس فقط بناء على الأقدمية أو المحسوبية.
بأى حال من الأحوال، لا يمكن اختزال هذه الكارثة فى كونها حالة فردية، بل يجب التعامل معها عبر إستراتيجية مواجهة شاملة تشمل المحاكمة العاجلة والفصل الفورى وتطبيق أقصى العقوبات الجنائية والإدارية على أى مسئول يثبت تورطه فى قضايا استغلال النفوذ أو المساومة، خاصة فى النواحى الأخلاقية ليكون عبرة لغيره.
المطلب الثاني، رقمنة الخدمات التعليمية وإنهاء التعامل المباشر بين المواطن والمسئول فى المعاملات الروتينية، كالتحويلات وقيد الطلاب وتحويلها إلى منظومة إلكترونية بالكامل تقطع الطريق على أى محاولة للابتزاز أو الرشوة.
إن تطهير محراب التعليم من هذه النماذج المشوهة، ليس مجرد إجراء قانوني.. بل معركة للحفاظ على شرف الوظيفة العامة ومستقبل أبنائنا.









