كانت قصة أم كلثوم مع المجهود الحربى قد أصبحت رمزاً للعطاء الوطنى فإنها فى الحقيقة تمثل فصلًاواحدًا من قصة أكبر عنوانها «القوةالمصرية الناعمة».
فمنذ بدايات القرن العشرين لم تعتمد مصر فى تأثيرها الإقليمى والدولى على ثقلها السياسى أو العسكرى فقط بل امتلكت رصيداً هائلاً من تأثيرها الثقافى والفنى والفكرى جعلها حاضرة فى وجدان الشعوب العربية لعقود طويلة.
كانت القاهرة عاصمة الثقافة العربية بلا منازع.. ومنها خرجت الأغنية التى حفظها الملايين.
والسينما التى شكلت الوعى العربى والكتاب المفكرين الذين قادوا حركة التنوير فى المنطقة ولم يكن تأثير مصر ناتجًا عن التخطيط السياسى فحسب بل صدر حالة إبداعية استثنائية صنعتها أجيال متعاقبة من الفنانين والأدباء والمثقفين.
عندما وقفت أم كلثوم تغنى من أجل دعم المجهود الحربى لم تكن تتحرك بصفتها فنانة مشهورة فقط بل كانت تمثل مدرسة مصرية كاملة فى توظيف الفن لخدمة القضايا الوطنية فصوتها وصل إلى ما هو أبعد من حدود الجغرافيا واستطاع أن يحشد الدعم المعنوى والمادى فى مصر فى لحظة فارقة من تاريخها.
ولم تكن أم كلثوم وحدها فقد ساهمت فى أعمال كبار المبدعين المصريين فى تعزيز صورة مصر ومكانتها وأغنياتها الوطنية.
وأفلام السينما والمسرح والدراما كلها كانت أدوات تأثير ناعمة صنعت لمصر نفوذاً ربما تجاوز فى بعض الأحيان تأثير الأدوات السياسية التقليدية ولذلك ارتبطت اللهجة المصرية فى أذهان الملايين بالفن والثقافة والتعليم وأصبحت مصر حاضرة من خلال شاشات السينما وأجهزة الراديو والتليفزيون.
أهمية القوة الناعمة لا تكمن فقط فى قدرتها على الترفيه أو نشر الثقافة وإنما فى قدرتها على بناء الصورة الذهنية للدولة وتعزيز مكانتها الدولية فالدول التى تنجح فى تصدير ثقافتها وقيمها وفنونها تستطيع أن تكسب احترام الشعوب وتؤثر فى الرأى العام العالمى دون استخدام أى أدوات ضغط أو إكراه.
اليوم وفى ظل عالم يشهد منافسات متزايدة على التأثير الثقافى والإعلامى تبدو الحاجة ملحة لاستعادة وهج القوة الناعمة المصرية وتعظيم الاستفادة منها.
فمصر لا تزال تمتلك إرثا حضارياً وإنسانياً وثقافياً فريداً وتملك من المبدعين والمؤسسات الثقافية ما يؤهلها للحفاظ على دورها الريادى عربياً وإفريقياً ودولياً.
لقد أثبت التاريخ أن الجيوش تحمى الحدود لكن القوة الناعمة تبنى النفوذ وتحفظ المكانة.. ومن هنا تبقى قصة أم كلثوم والمجهود الحربى شاهداً على حقيقة مهمة: أن الفن والثقافة ليسا رفاهية بل جزء أصيل من قوة الدولة الشاملة.
وإن مصر كلما استثمرت فى قوتها الناعمة ازدادت قدرة على التأثير والاقناع وقيادة محيطها الحضارى والثقافى.









