إذا كانت الأهرامات والمعابد المصرية القديمة قد حيرت العالم كله وعلماء الآثار والعمارة والرسم فى كيفية بناءها بهذه العظمة والإعجاز واعتبرت من عجائب الدنيا السبع التى يأتى اليها زوار من جميع بلاد العالم لمشاهدتها فإن التاريخ المصرى القديم غنى بالإبداعات والتفوق فى مختلف المجالات.. واذا كان الادباء والشعراء يستشهدون دائماً بمقولة «اللى بنى مصر كان فى الأصل حلوانى» فيبدو أنها حقيقة وان المصريون القدماء اصحاب تاريخ طويل فى الفن بجميع فروعه .
الحضارة المصرية القديمة كلها ألغاز، والموسيقى لغز من ألغازها، أما موسيقى الكنيسة القبطية فهى بوابتنا الوحيدة لمعرفة موسيقى مصر القديمة، فشامبليون لم يستطع تأويل لغة مصر القديمة إلا بعد دراسته اللغة القبطية، حينما ثبت له أن الأقباط هم السلالات الممتدة لشعب مصر القديم.
وقد اقتصرت الكنائس القبطية بمصر على تلاوة التراتيل والألحان الدينية التى كانت سائدة فى المعابد المصرية القديمة وظلت ترتل باللغة القبطية، ولذلك احتفظت الكنيسة القبطية بالكثير من تراث أجدادها وخاصة الألحان المصرية القديمة وحفظتها من الزوال، وظلت الموسيقى القبطية تحتوى على حركة واحدة ويستمر الغناء عليها لمدة عشر دقائق تقريبا ويكون الترنم بكلمة واحدة هى «هللويا» ولذلك يأتى القداس طويلاً جداً مع وقوف الحاضرين طيلة الوقت فى الكنائس، وهذه التراتيل تؤلف نغمه فيما بينها.
وقد استدل علماء التاريخ والمصريات، على أن المصرى القديم كان صاحب عاطفة جياشة، عبر ما تركه من رسم لآلاته الموسيقية على جدران المعابد. حيث كان صاحب مشاعر راقية اكتسبها من خلال تأديته لشعائره الدينية، فالدعوات التى كان يترنم بها داخل المعابد والإبتهالات التى كان ينصت لها حين يؤديها الكهنة منحته حسًا ذوقيًا رائعًا جعلته ينجذب نحو كل نغم، وينصت أمام كل لحن ، كما ان الجدران فى المعابد والمقابر فى مصر القديمة تعطينا الدليل الكامل على تلك العاطفة الجياشة التى سرت فى دماء أجدادنا القدماء، والتى كان من أبرز مشاهدها تلك المناظر التى تكشف لنا عن تعلق المصريين القدماء باللحن والموسيقي، التى نرها متمثلة فى العازفين والعازفات وهم يحملون بين أيديهم آلاتهم من دفوف وطبول، ومزمار وناى، وغيرها.
والمناظر الجدارية تبين لنا عروضًا موسيقية بداية منذ عصر الأسرة الثانية عشرة، وهى عروض فنية كان يحضرها الكبراء والنبلاء، هذا غير تلك الموسيقى والترانيم الجنائزية التى كانت تلحن فى المواكب والأعياد الدينية وقد تعددت الآلات الموسيقية التى استخدمها المصريون القدماء كالقيثارة ذات الأوتار الثلاثة والدف الذى يستخدم لضبط الإيقاع والبوق الذى استعمل فى نداءات الحروب والإحتفالات، والناى والنفير وهو آلة نفخية مكوّنة من أنبوب مستقيم أو مخروطى والطيبونى أى «الهارب» بأوتاره العشرة.
وتعتبر آلة الجنك من أقدم تلك الآلات، وهى عبارة عن صندوق خشبى للصوت يخرج منه عدد من الأوتار العمودية الاتجاه وتكون مثبتة فى طرف الآلة، وقد تم العثور على تصاوير لآلة الجنك بأنواع متعددة وأحجام مختلفة الشكل ومتطورة.
وعن آلة الكنارة والتى إنتشرت فى الحياة الموسيقية عند المصريين القدماء فى عصر الدولة الوسطى، هى آلة مصاحبة للغناء والرقص، وهى تتكون من ذراعين على الجانبين مقوسين وعادة ما يكون الذراعان وعصا شد الأوتار مزخرفة ومزينة بنقوش من رأس أوزه تارة أو رأس حصان تارة أخري، كما وُجدت أشكال أخرى من الحليات، مثل رأس الغزال. وهكذا تحدثنا أوراق مصر القديمة وصور الاجداد التى تسجل مناسباتنا وأفراحنا وأحزاننا ايضاً تاريخ يقولان اللى بنى مصر كان حلوانى أصيلًا .









