يشغلنى كثيرا البحث عن إجابة معقولة ومقبولة للسؤال الذى يؤرقنى دوما وهو ماذا نريد حقا؟ ماذا يريد المصريون فى حاضرهم لمستقبلهم؟ ماذا يريد المجتمع وهل هناك قائمة أهداف محددة وضعتها الأمة المصرية وعملت على تحقيقها وفق خطط وبرامج وحكومات؟ إم إن الأمر لا يعدو أن يكون تسيير أعمال وقضاء وقت لطيف دون منغصات؟ اهتمامنا بأكل العيش ولقمة العيش واجب واهتماماتنا بحياتنا اليومية أمر عظيم، لكن ما علاقتنا بالمستقبل؟ هل هناك اهتمام جمعى بالمستقبل وتحدياته؟ هل هناك من يفكر فى مصر بعد قرن من الزمان؟ سألت وتساءلت كثيرا، وكان الواقع قاسيا فى إجاباته عن تلك الأسئلة، يبدو أن مستقبلنا يمر دقيقة بدقيقة من بين ثنايا أزمة هنا وكارثة هناك ، وفى هذه الأثناء – أثناء حالة التفكير العبثى فى المستقبل – وقعت عينى على مقال للأديب عباس محمود العقاد يتحدث نفس الحديث ويسأل نفس السؤال وهو «ما الذى نريده من حياة جديدة للمصريين والشرقيين؟ الذى نريده كثير جدا من الطمأنينة التى مصدرها الشعور بالقوة، وقليل جدا من الطمأنينة التى مصدرها عدم الشعور.
نريد أن نحس ذلك القلق الروحى الذى يحسه الغربيون على أثر كل معرفة جديدة، وفى إبان كل اضطراب جلل، وفى أعقاب كل دولة زائلة وفى مطالع كل مرحلة مقبلة. لأن القلق علامة النمو والحركة؛ والنفس تنمو فيضيق بها كساؤها، وتشعر بالحرج والتقلقل لا تستريح فيه ولا يريحها. وتحاول أن تخلع ما ضاق ورثَّ، وتلبس ما اتسع وحدث. وهذا دواليك مادامت تنمو وتستقبل الأحوال بعد الأحوال والأطوار بعد الأطوار.
أما الطمأنينة التى تستقر بصاحبها لأنه لا ينمو ولا يتحرك، فتلك مصيبة يرثى له وليست بنعمة يغبط عليها: أرأيت الحيوان الأعجم تفارقه الثقة قط؟ كلا! إنه يشبع ويسمن وينظر إلى الدنيا نظرة الرضى والتحدى كأنه بلغ الغاية وأوفى على الرجاء… وهو قد بلغ الغاية حقا ولكنها غاية أقل من البداية، وأوفى على الرجاء حقا ولكنه رجاء أخبث من القنوط. وشر ما يبتلى به المصرى والشرقى هذه الثقة وهذه الطمأنينة.
فاللهم كثيرا جدا من القلق، وقليلا جدا من الراحة والركود الذى نريده كثيرا جدا من الإيمان الذى يسكن بصاحبه لأنه نفى جميع الشكوك، وقليل جدا من الإيمان الذى يسكن بصاحبه لأنه يجهل الشكوك.
الذى نريده كثيرا جدا من الخيال الذى لايزال ينقلنا من واقع حسن إلى واقع أحسن، وقليل جدا من «حب الواقع» الذى لا يخرجنا مما نحن فيه، لأن النوم واقع عند النائمين، والجهل واقع عند الجاهلين، والفقر واقع عند الفقراء، والأسر واقع عند المستعبدين.
ليست آفتنا أننا نعيش كما يعيش القدماء، بل آفتنا أننا نندب القدماء ليعيشوا بديلا منا! وليست افتنا قلة الشعر الجديد، بل قلة الشعور الجديد, وليست افتنا أن القصة قليلة عندنا، بل أفتنا أن القليل هو الحياة التى تستحق أن تكون قصة، و «الواعية» التى تستوعب تلك الحياة .
وليست آفتنا كساد المسرح، بل آفتنا أننا فى مسرح الدنيا بلا أدوار ولا فصول؛ ولو كانت لنا فى مسرح الدنيا أدوار وفصول لشاقنا أن نراها مروية فى أدوار الممثلين، لحكية فى أقوال المؤلفين.
الذى نريده أن نفهم ما نريد وأن ننجز ما نريد، وأن نعرف الفرق بين فهم القول وفهم الإرادة، فإنك إذا قلت لسامعك إنك تريد شيئا من الأشياء فى يوم من الأيام فقد فهم ما تقول، ولكنه لن يفهم ما تريد حتى ينجز ما طلبت فى الموعد الذى طلبت، وهذا هو الفهم الأصيل.
الذى نريده كثير جداً وقليل جداً إذا استطعناه، وإننا لمستطيعوه ببركة العزم والإيمان.»
انتهى الاقتباس من مقال أديبنا ومولانا العقاد واترك الاجابة لكل فرد فى المجتمع يسأل نفسه ماذا نريد وكيف نصل إلى ما نريد؟









