في جغرافيا الصراع بالشرق الأوسط، هناك دول تكون “ساحة” للمعارك، ودول تكون “ورقة” في التفاوض، ولبنان اليوم يجمع بين الحالتين فى مفارقة مؤلمة.. فهو ساحة للاشتباك المباشر بين إيران وإسرائيل، وفى الوقت نفسه ورقة ضغط فى المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن.
وما حدث من ضربات إيرانية على إسرائيل، ورد إسرائيلي يوسع دائرة الاستهداف فى لبنان، ليس مجرد تبادل عسكرى، بل هو رسالة مشفرة تحمل في طياتها مفاتيح الحل للأزمة الأكبر.
لم يعد خافيًا أن لبنان تحول إلى “مختبر استراتيجي” تتزاحم فيه الأقدام الدولية: أمريكا تسعى لتثبيت نفوذها عبر دعم الدولة الرسمية، إيران تحافظ على عمقها الإقليمي عبر حزب الله، فرنسا تحاول استعادة دورها التاريخى، هذا التزاحم لا يعكس أهمية لبنان بذاته فحسب، بل يعكس عجزًا دوليًا عن إيجاد تسوية شاملة للصراع “الإيراني-الإسرائيلي”، فيتحول لبنان إلى “صمام أمان” يُفرغ فيه كل طرف احتقانه.
والخطر أن إسرائيل، في قراءتها للأزمة، تتعامل مع لبنان كـ”جبهة مفتوحة” قابلة للتوسع، مما يحول البلد الصغير إلى أرضٍ لا تستقر، وسكانه إلى رهائن في معادلة لا يملكون مفاتيحها، هذا التوسع في الاستهداف الإسرائيلي ليس مجرد رد عسكري، بل هو محاولة لفك الارتباط بين الملف اللبناني والملف النووى الإيرانى، وعزل حزب الله عن ظهيره الإقليمي.
هنا تبرز إشكالية الموقف الذي أكد عليه بيان كتلة “المقاومة والتحرير” البرلمانية في 28 مايو، والذي دعا الدولة اللبنانية إلى “فك ارتباطها بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن، وربطها بمحور إيران”.. هذا الموقف ليس مجرد شعار أيديولوجى، بل هو قراءة استراتيجية لواقع المعادلة: فحزب الله يدرك أن فصل الملف اللبنانى عن التفاوض الإيراني-الأمريكي يعني تحييد أوراق ضغطه، وتحويله إلى طرف ضعيف في مواجهة منفردة مع إسرائيل.
من منظور المقاومة، فإن ربط المسار اللبناني بالمسار الإيرانى ليس تبعية، بل هو “تضامن استراتيجي” يضمن أن أي تسوية إقليمية لا تمر على حساب لبنان، لكن من منظور الدولة اللبنانية الرسمية، فإن هذا الربط يحمل مخاطر جر البلد الصغير إلى أتون صراع إقليمي قد لا يحتمل تبعاته، هذه المعضلة هي جوهر الأزمة اللبنانية: كيف تحافظ على سيادتك دون أن تخسر حلفاءك؟ وكيف تتفاوض دون أن تتنازل عن ثوابتك؟
في الجانب الأمريكى، تُدار الأزمة اللبنانية بمنطق «الصفقة الكبرى»: استخدام الضغط على حزب الله وإيران معًا لإجبار الطرفين على طاولة تفاوض تخرج بنتائج تخدم المصالح الأمريكية في المنطقة، لكن التاريخ يعلمنا أن لبنان ليس «بيدقًا» سهل التحريك، فكل محاولة لفصل خيوط الأزمة اللبنانية عن الشبكة الإقليمية الأوسع، اصطدمت بواقع أن لبنان جزء عضوى من معادلة الشرق الأوسط.
فالدولة اللبنانية مدعوة اليوم إلى ممارسة دورها التاريخي: أن تكون جسرًا للحوار، لا ساحة للصراع، وأن تستعيد سيادتها ليس بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك، بل ببناء إجماع وطنى يحمي لبنان من أن يكون ضحية لمعادلات لا يسيطر عليها، فالاستقرار فى لبنان ليس رفاهية، بل هو حجر الزاوية في أي تسوية إقليمية حقيقية، ومن يهمل هذا البعد، يخسر اللعبة قبل أن تنتهي.









