الصمت والسكون .. نعمة أم نقمة؟!
عبادة أم عقوبة .. مرض أم صحة .. توحد مع الذات الالهية أم نفي عن الحياة ؟!
نعم الصمت في حرم الجمال جمالُ، وحين يتعلق الأمر بالعشق، يتحول الصمت من مجرد “غياب للكلام» إلى لغة باذخة، تفوق في فصاحتها كل قواميس الحبر… فالعيون المشحونة بالمشاعر تقول في نظرة واحدة ما قد تعجز عنه دواوين كاملة…
أرى في صمتِنا لغةً تَسامَتْ … على الكلماتِ في هَدْيِ الغَرامِ….
إذا التقتِ القلوبُ بفَيضِ شوقٍ … بدا شَرَفُ السكوتِ على الكلامِ
ونحسبُ أننا نطقنا حديثاً … ولم ننبسْ بحرفٍ في الزِّحامِ
هو العشقُ العظيمُ إذا تَجلّى … كَفاهُ الصمتُ عن حُلْوِ المَلامِ
• توقفت امامه كثيرا .. هو الصمت .. هو الجمال والجلال ..فمنذ خطى الإنسان خطوته الأولى على هذه الأرض، كانت الكلمة جسره نحو الآخر، وسفيره المعبر عن آماله وأشجانه. …نعم الكون كلمة والانسان أيضا كلمة .. الحق كلمة والصمت عنه رجس من الشيطان !
تهادت إلينا عبر الأجيال الحكمة ذات المغزي : «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب».لكن أي كلام وأي صمت يكون القصد والمعني ..لم تكن هذه العبارة يوماً دعوةً للخرس البارد، بل كانت تقديساً لقيمة الكلمة الحقيقية ، الكلمة نور ونار .. فالكلام اذا كان بلا معني كان كقطع الصفيح، متداول ومتاح، نقذفه في وجوه الأيام بابتذال أحياناً.. أما الصمت الثري، فهو كسبائك الذهب النفيسة ، لا يخرج إلا من مناجم الأنفس الوجدانية الفسيحة التي تدرك أن بعض المشاعر أعمق من أن تتسع لها أو تحتويها الحروف.
وقديمًا صاغ الشاعر هذا الميزان الشعوري برقةٍ فقال:
قُلْ لِلْفَتَى مَجْلِسُ الْقَوْمِ غَنِيمَةٌ … وَالصَّمْتُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ مَنْطِقٍ بَاطِلْ
إِنْ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ كَلَامُكَ يَا فَتَى … فَإِنَّ السُّكُوتَ مِنَ الذَّهَبِ الْكَامِلْ
• ويكون السؤال الأبدي هل الصمت مجرد فضاء خالٍ من الأصوات أم معني يعجز ان يحتويه الكلام ؟
جماد أم كائن حي يتنفس في وجداننا، تارةً كبلسمٍ يداوي الروح، وتارةً كعزلةٍ تقض المضاجع؟
• في ملاذات الروح يسكن جبروت الكبرياء.. نعم الصمت، في تجليه الإنساني الأسمى، ليس غياباً للموقف، بل هو ذروة الحضور، نبض المشاعر حين تفيض عن ضفاف العبارة…صمت الحكمة والترفع..
نعم ثمة أوقات يصبح فيها الكلام انحداراً بالنفس، حيث يتألم الوجدان من جفاء الآخرين، فيلتجئ إلى الصمت صوناً لذاته و لكرامته… هنا يرفع الإمام الشافعي راية الصمت و السكون:
قَالُوا سَكَتَّ وَقَدْ خُوصِمْتَ قُلْتُ لَهُمْ … إِنَّ الْجَوَابَ لِبَابِ الشَّرِّ مِفْتَاحُ
وَالصَّمْتُ عَنْ جَاهِلٍ أَوْ أَحْمَقٍ شَرَفٌ … وَفِيهِ أَيْضًا لِصَوْنِ الْعِرْضِ إِصْلَاحُ..
ومن هناك يرد الفيلسوف اليوناني فيثاغورس: «إما أن تتحدث بكلمات أذكى من الصمت، أو التزم الصمت».
• نعم للصمت هيبة تحمي اللحظة الإنسانية من التبذل، فالشخص الصامت يلف نفسه بوشاح من الغموض المهيب الذي يمنح النفس سكينة وقوة، يرد عليهما الفيلسوف الصيني «لاوتزو» : «الصمت مصدر لقوة عظيمة». ويأتي أبو تمام منشدا من بعيد بصوته المتأرجح بين الصمت والسكون:
وَالصَّمْتُ حِصْنٌ لِلْفَتَى مِنْ خَطَلٍ … وَفِيهِ لِلْمَرْءِ جِلْبَابٌ وَمُؤْتَزِرُ
لكن ما هو الحال حين يصبح الصمت انكساراً للقلب.. على النقيض من الصمت الحكيم، يقف نوع اخر من الصمت هو صمت الجبن وتجاهل صرخة الحق ، وجع الآلام الإنسانية… يرى الإنسان الظلم يقع على أخيه ويلوذ بالسكوت، الصمت هنا يتحول من نار إلى رماد… من قوة الي جبن .. تصرخ فينا مقولة «مارتن لوثر» الخالدة: «في النهاية، لن نتذكر كلمات أعدائنا، بل صمت أصدقائنا»…ياه علي وجع التخلي المرتدي رداء الصمت .. الصمت هنا هو خيانة للرابط الإنساني الدافئ.
• الصمت محراباً للعبادة ومناجاة الروح
في أوقات التجلي، يرتفع الصمت ليصير لغة سماوية صِرفة، هو أعلى درجات العبادة والتأمل… عندما يخلو الإنسان بنفسه في محراب السكون، يبدأ صخب الدنيا بالخفوت لتستيقظ أصوات الروح المكبوتة.
في هذه الخلوة الوجدانية، لا يعود الصمت فراغاً بل يصبح امتلاءً مطلقاً بالحب الإلهي. وكما يقول العارف بالله جلال الدين الرومي: «الصمت هو لغة الله، وكل ما عدا ذلك هو ترجمة رديئة»… إن الصمت التعبدي هو محاولة لإسكات الجسد كي تتكلم الروح، ومخاطبة الخالق بلغة القلب التي لا تحتاج إلى أحرف ولا مخارج.
هنا يتأمل الفيلسوف الوجودي سورين كيركغور هذا الضجيج البشري المعاصر متنهداً: “لو كنت طبيبًا ووُجِّه إليّ السؤال: ما الذي تنصح به؟ لأجبتُ: اصنع الصمت! واجلب البشر إلى الصمت، فكلمة الله لا يمكن سماعها وسط هذا الضجيج”.
• ومن التعبد في محراب الخالق الي سجن الدنيا ..المشهد بشع ..حين يتحول السكون إلى جلاد .. كيف حين يصبح «الصمت هو العقوبة المحكوم بها علي المذنب بعد ان كان وسيلة التعبد والرقي ..ياه علي عالم البشر .. ما أشد قسوة هذا العالم عندما يمسك بتلابيب الصمت » الفضيلة الوجدانية «فيحولها قسراً إلى سياط!.. الصمت الذي ينشده المتصوف كواحة أمان، يصبح في كرباج في غياهب السجون وعذابات الحبس الانفرادي التي صنعها الإنسان لإخيه الإنسان .
وللصمت بقية !!









