في بعض الأحيان.. أشعر بالحنين إلى الرواد العمالقة.. الذين تأثرنا بهم.. وتركوا بداخلنا بصمة.. لا يمحوها الزمن.. أمثال العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ومصطفى وعلى أمين ومحمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين.. أشعر دائمًا.. بأنه يوجد خيط رفيع.. يجذبني لقراءة إبداعاتهم.. فانا من الذين تأثروا بإبداعاتهم.. أجد متعتى فى الغوص في أعماق أعظم ما تركوه لنا من خلاصة أفكارهم وأقلامهم.. إنه بحق إبداع ما بعده إبداع.. لا أجد متعتي فقط.. عندما أعيد قراءة كتبهم.. وإنما أجد شخصياتهم أمامي.. وأشعر وكأنهم يتحدثون معى.. مثلاً.. الكاتب العبقري أحمد بهاء الدين.. أصغر رئيس تحرير في تاريخ الصحافة المصرية.. فقد تولى رئاسة تحرير مجلة صباح الخير ثم الأهرام فمجلة العربي الكويتية.. وهو الذي كتب وهو رئيس تحرير الأهرام.. في عهد الرئيس السادات.. أن الانفتاح سداح مداح.. أمامي كتابه « أيام لها تاريخ ».. وهو من الكتب المحببة إلى قلبي.. ودائمًا تقفز أمامي مقولاته البديعة في هذا الكتاب.. مثلاً : لا يكفي أن تعرف حوادث التاريخ لكي تحسب أنك قد تعلمت التاريخ.. فالاهم أن تستخلص من هذه الحوادث عبرها.. على أي شيء تدل؟.. وفي أي طريق يمضي التاريخ ؟ فإن ذلك يجعلك تعلم ما سوف يحدث.. والتاريخ هو الفرق بين الإنسان الواعي.. وغير الواعي.. ولا يوجد أفضل من قراءة التاريخ.. فلن يجد المواطن أرضه الثابتة.. إلا في تاريخ وطنه.. ولن يعرفوا طريقهم إلا إذا أدركوا في أي طريق سار هذا التاريخ قبلهم.. يقول الكاتب والمفكر الكبير أحمد بهاء الدين.. أرجو أن تقرؤوا التاريخ.. ليكون حافزًا.. لتستخلصوا منه العبرة.. بأنفسكم.. بلا أساتذة.. وللأستاذ بهاء.. كتاب بعنوان : إسرائيليات.. يستحق أن تقرؤوه.. أما توفيق الحكيم.. فقد تأثرت بروايته « نائب في الأرياف ».. فقد تم تعيينه عقب تخرجه من كلية الحقوق.. وكيلاً للنيابة في إحدى قرى الصعيد.. وكتب نائب في الأرياف.. عما عايشه هناك في الخمسينيات.. حيث كان يقيم في منزل واحد مع المأمور والطبيب الشرعي.. وقد ألح عليه الطبيب الشرعي.. أن يحضر معه.. تشريح جثة لأحد المجنى عليهم.. وعندما شاهد توفيق الحكيم.. ما بداخل صدر هذه الجثة.. سأل الطبيب الشرعي عن سبب هذا الهباب الذي في صدره.. أجابه من السجائر.. وهنا أقلع الحكيم عن التدخين.. ويحكى لنا الحكيم.. كيف كانت تزور الانتخابات.. بإلقاء صناديق الانتخابات في الترعة.. عقب انتهاء الانتخابات.. وإحضار صناديق بديلة.. مجهزة مسبقًا بالفائزين.. وقد أرسله والده لدراسة الدكتوراه في القانون بباريس على نفقته الخاصة.. وكان يجلس يوميًا على مقهى السلام بحي الاوبرا الشهير بباريس.. يلتقي بأصدقائه.. وعاد لمصر دون الحصول على الدكتوراه.. حيث تفرغ للأدب وعمل كاتبًا بالأهرام إلى جوار نجيب محفوظ.. وقد وصف د. مصطفى محمود.. كتابات توفيق الحكيم.. بأنها مثل سلاسل الذهب.. وقد وضع الكاتب والمكتشف الأثري كتابًا عن الحكيم بعنوان : الحكيم بخيلاً.. وعن بخل الحكيم.. كتب العقاد.. :مقال عنوانه : مأتم خمسة جنيهات: التي انتزعتها أم كلثوم من توفيق الحكيم.. تبرعا لنقابة الموسيقيين.. خلال تواجدهم مع عدد من الفنانين والصحفيين والأدباء.. في لقاء بمنزل الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب.. وقد كان الحكيم يخفي الخمسة جنيهات في علبة النظارة.. وكتب العقاد قائلاً: الأصابع الخمس.. والحواس الخمس والصلوات الخمس والسنوات الخمس والقارات الخمس والمحيطات الخمس هي الخمس الخالدات.. ولا يظن أحد أنها قابلة للزيادة.. حتى إذن الله.. فزادت خمسة أخرى من الخمسات الخالدات.. التي سوف تتردد على كل لسان.. وهي الخمسة جنيهات التي دفعها الحكيم.. ولنسجل اليوم والدقيقة التي ولدت فيها الخمسة الجديدة.. ولدت في منتصف الساعة 11 من مساء الإثنين 19 يونيو سنة 1944 ميلادية.. والغريب أن الحكيم لم ينفِ صفة البخل عنه.. كان يعتبرها صفة حميدة.. لصالحه.. تحميه من سؤال الناس.. ويقفز أمامي الآن.. العملاق عباس العقاد.. أعظم مثقف ومفكر وكاتب في الشرق الأوسط.. بالرغم من أنه حاصل على الابتدائية فقط.. لكنه أعد نفسه جيدًا.. فقد قرأ أكثر من عشرة آلاف كتاب !! وهو قدوة ونموذج أمامنا جميعًا.. وهو القائل إن الثقافة هي الشيء.. الذي نرثه عن مجتمعنا.. بما فيه إدراكنا لأنفسنا وسلوكنا ومواقفنا.. وإن أي مجلة أو جريدة أو شاشة تليفزيون.. تعزل نفسها عن قضايا الوطن.. تضع نفسها في ركن هامشي من قضية الثقافة نفسها.. والعقاد تنبأ.. في مقال نشره في يناير 1946.. بسقوط الشيوعية بعد عشر سنوات.. وحدث ذلك بالفعل لكن بعد 40 عامًا!! أقول ما أعظم الحنين إلى هؤلاء العمالقة.. فإن في القرب من إبداعاتهم حياة.. تصعد بك إلى عنان السماء!!









